تأمّل غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا للأحد الخامس من الزمن العادي – السنة أ
تجدون في التّالي تأمّل غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للّاتين، للأحد الخامس من الزمن العادي – السنة أ، 8 شباط/ فبراير 2026.
يبدأ إنجيل هذا اليوم (متى ٥: ١٣–١٦) بضميرٍ لافت: أنتم.
«أَنتُم مِلحُ ٱلأَرض… أَنتُم نورُ ٱلعالَم» (متى ٥: ١٣).
وهو الضمير عينه الذي اختُتم به مقطع التطويبات الذي سمعناه الأحد الماضي، إذ قال يسوع: «طوبى لَكُم، إِذا شَتَموكُم وَٱضطَهدوكُم....إِفرَحوا وَٱبتَهِجوا، إِنَّ أَجرَكُم في ٱلسَّمَواتِ عَظيم» (متى ٥: ١١–١٢).
فبعد أن تكلّم بلغةٍ عامّة: «طوبى للمساكين، طوبى للودعاء…»، انتقل في التطويبة الأخيرة إلى خطابٍ شخصيّ مباشر: طوبى لكم.
تشير هذه التطويبة الأخيرة إلى خبرةٍ محدّدة عاشتها الجماعة المسيحية في القرن الأول، خبرة الضيق والاضطهاد، حيث يُمتحن الإيمان، ويُطلب من المؤمن أن يعبر المحنة بلا سندٍ بشري، متّكئًا على إيمانٍ عارٍ إلا من الثقة باللّه.
إنّها اللحظة التي يبدو فيها كلّ شيء وكأنّه ينطفئ، والتي قد تُغري الإنسان بأن يرى الحياة بطعم المرارة والحزن والفشل.
غير أنّ الحقيقة هي غير ذلك.
فهذه الخبرة نفسها يمكن أن تتحول الى خبرة تطويب، لأنّها موضعٌ مميّز للقاء بالرب، ففي ساعة الضيق والألم، يكون هو واقفًا على الباب يقرع.
وهي اللحظة التي تنفتح فيها حياتنا، بنعمة اللّه، على رسالةٍ تتجاوز ذواتنا، فنُدعى لأن نكون، بحقّ، ملح الأرض ونور العالم.
فماذا يعني ذلك؟
إنّ من يعيش التطويبات ينفتح على علاقاتٍ جديدة: يحدّ من قوته، ويتحمل الشرّ الذي يصادفه في حياته، وبذلك يفسح المجال للآخرين كي يوجدوا، وكي يبلغوا ملء ذواتهم؛ وبهذا ينمو ملكوت اللّه.
هكذا نصير ملحًا ونورًا: لدينا نظرة رحيمة إلى الحياة، ونكون نكهة حضور اللّه في وسط الإخوة.
غير أنّ يسوع لا يتوقّف عند شرح معنى الصورتين، بل يحذّر تلاميذه من خطر فقدانهما.
وهي خسارة جسيمة، لأنّ ما هو معرّض للخطر هو هوية التلميذ نفسها: فأن يكون التلميذ ملحًا ونورًا ليس واجبًا يُفرض عليه، بل مسألة هوية تُعاش؛ ليس أداءَ مهمّة، بل نمطَ حضورٍ في العالم وفي علاقته بالآخرين.
الخطر هو أن يفقد الملح طعمه، وأن يختار النور أن يبقى مخفيًّا (متى ٥: ١٣–١٥).
إذا توقف المصباح عن الإضاءة خوفًا من فقدان نوره، فلن يكون له أي فائدة؛ وإذا توقف الملح عن التمليح خوفًا من الاختفاء، فلن يكون له أي فائدة.
وكذلك التلميذ، إن احتفظ بحياته خوفًا من فقدانها، فلن يولد الحياة، بل سيفقد نفسه.
ولهذا، من المفيد أن نتوقّف عند الكلمة اليونانية التي تُرجمت بـ« فَسَدَ المِلحُ نَفْسُه».
تَرِد هذه الكلمة في العهد الجديد أربع مرّات: هنا، وفي موازاتها عند لوقا (لوقا ١٤: ٣٤)، ثمّ في مطلع الرسالة إلى أهل رومة (رومة ١: ٢٢)، وفي مطلع الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (١ كورنثوس ١: ٢٠). وفي هذين الموضعين الأخيرين، تشير إلى الإنسان الذي يعتقد أنّه حكيم، ولكنه في منطق اللّه، أحمق…
ها التأمّل قد نُشر على موقع البطريركيّة اللّاتينيّة في القدس، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.