مريم في الانجيل 5: تحت الصليب (يوحنا 19/ 25- 27): أفقٌ جديدٌ

غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان في العراق والعالم

يتكلم يسوع عن “الساعة”، انها ساعة الله كايروس- Kairos، أي الزمن المؤاتي لتدخل الله وليست ساعة التاريخ كرونوس- Khronos. مريم واقفة الى جانب يسوع وهو على الصليب. انها واقفة أي صامدة ترافقه وتشاركه في طريق الالآم. يسوع على الصليب منظر بشع للغاية، ووجع مريم لا يوصف لانها تعجز عن مساعدته وإنقاذه، لكنها واقفة بعزم. من المؤكد أنها كانت حاضرةً في العشاء الأخير، وفهمت ما أشار اليه يسوع لإعداد تلاميذه لساعة الحسم. انه اختبار قاسٍ. يقول سِفر ارميا: “يا عابري الطريق تأملوا وأنظروا هل من وجعٍ كوجعي” (1/ 12). وهنا تحققت نبوءة سمعان الشيخ: “وانتِ سيجوز سيف في قلبك” (لوقا 2/ 35).

 يمكن ان نُعرِّف مريم بالتلميذة الاولى. فهي عاشت معه وسمعت كلماته مباشرة باذانها وهو يقول: “اتيت لابذل حياتي فداء عن كثيرين… الخبز هو جسدي، والكاس هي دمي للعهد الجديد”. موته ينبوع حياة.

تدرك مريم ان موت يسوع هو فعل حب أعظم. وتؤمن بيقين ان محبة الله سوف تغلب في النهاية. هذا الإيمان يمنحها الثقة بان يسوع المصلوب لم يُهزَم ولم ينتهِ، بل هو مُنتصر على الشر، ويمد يده للإنسان ليُخرجه من الشر والخطيئة.

ينظر يسوع اليها وهو على الصليب، ويقول: “يا امرأة هذا ابنك”، اي يوحنا. ولهذا الأخير يقول: “هذه أمك”. يناديها يا إمراة، لانها أقوى من يا أمي الشخصانية. انها امرأة وأم في قمة المحبة والامومة. ويوحنا في هذه اللحظة يمثل كل واحد منا وكل البشرية. يريدها أن تبدأ صلة جديدة مع تلاميذه (الكنيسة). اهتمامه بهم مؤثر جداً. يريد أن يقول: ماما لا تفكري بي، لاني حيّ.. أنت أمي من خلال اعتنائك بتلاميذي! أبلغها بلغة الأم ورقتها ان رسالتها هي ان تخبر البشر: بان الله محبة، يحب الجميع.

من تلك الساعة أخذها التلميذ الى بيته، وتبدأ مريم أمومة جديدة. واليوم تستمر هذه الأمومة من السماء، وبشفاعتها ننال البركات. إنها حاضرة بيننا كما أن يسوع حاضر إلى الأبد. باختصار ، مريم هي لنا جميعاً، بوصلة ومرجع، وعليه ينبغي لكلِّ أُمٍّ وفتاةٍ مسيحية، ان تضع وجهَ مريم أمامها لينطبع على وَجْهِها.

لا يذكر الإنجيل ان يسوع القائم من بين الأموات ظهر لمريم، انما يذكر انه ظهر لعديدين: للمجدلية، تلميذي عماووس، النسوة، للتلاميذ أكثر من مرّة.. لا يمكن إلا ان يكون قد ظهر اولاً لاُمه التي كانت حاضرة في ولادته ونشأته وكرازته والآمه وموته… لربما لم يذكر الانجيليون ظهوره لها لأنه أمر بديهي.

 يا مريم أيتها الاُم الحقيقية، والسيدة المصغية والمطيعة والمصلية، سيدة الخدمة، والمحبة والاستقبال والترحيب،  صلي لأجلنا ورافقينا كما رافقت ابنك يسوع.

 مريم في العِليّة تلميذة (سِفر الاعمال 1/ 1، 2/ 1-4)

 مريم لم تعش في العزلة والوحدانية بعد موت ابنها، بل كانت حاضرة في العلية تنتظر مع جماعة الرسل حلول الروح القدس. لقد شاهدت يسوع جسدياً وروحياً، أما اليوم فهي تختبر قيامته ومجده الأبدي وتتأمله. حضورها شهادة لهذا التغيير المدهش. فهي ايضاً نالت من جديد مواهب جديدة لتحمل رسالة ابنها مع الكنيسة الى العالم، لكن من زاوية مختلفة. إنها الرسولة بكل معنى الكلمة.

مريم تدعو المرأة إلى عيش كمال سر الحب والحياة، كأم وزوجة ومكرَّسة ومربية وناقلة الإيمان.

هذا المقال نُشر على موقع البطريركية الكلدانيّة في بغداد.

Previous
Previous

خاطرة عن ثقافة الاعتذار

Next
Next

مريم في الانجيل الحلقة 4: الايمان هو الذي يحكم، وليست القرابة الدموية