Word of the Journalist Lea Adel Maamary
At the MECC Webinar About “Ecumenical Media: Mission and Ethics”
Journalist Lea Adel Maamary, Coordinator of Media and Church Relations at the Middle East Council of Churches (MECC), delivered this word in Arabic at a webinar organized by MECC, entitled “Ecumenical Media: Mission and Ethics”, on Thursday, August 19, 2026.
في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أسرع من الكلمة، والخبر ينتقل في ثوانٍ من مكان إلى آخر، وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للحوار والتعبير والتأثير، لم يعد الإعلام مجرد أداة لنقل المعلومات والأحداث، بل بات عنصرًا أساسيًا في تشكيل الوعي، وصناعة الرأي العام، وبناء صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخر.
وفي خضم هذا التحول الكبير، يبرز الإعلام الكنسي والمسكوني كمساحة ذات رسالة خاصة، تتجاوز نقل الأخبار والأنشطة والمناسبات، لتلامس جوهر العلاقة بين الإنسان وإيمانه، وبين الكنيسة والمجتمع، وبين الكنائس بعضها مع بعض.
فالإعلام المسكوني لا يقتصر على أن يكون منبرًا للتعريف بما تقوم به الكنائس أو المؤسسات المسيحية، بل يمكن أن يكون جسرًا للحوار، ومساحةً للتلاقي، وأداةً لتعزيز ثقافة الوحدة، وشهادةً على أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الانقسام، وأن التنوع يمكن أن يكون مصدر غنى عندما تحكمه المحبة والاحترام والبحث عن المشترك.
لقد شكّل السعي إلى الوحدة بين المسيحيين مسارًا طويلًا، شهد الكثير من اللقاءات والحورات والمبادرات، وقطع أشواطًا مهمة، لكنه لا يزال يواجه تحديات وأسئلة تحتاج إلى مقاربات جديدة. وفي هذا السياق، يكتسب الإعلام أهمية متزايدة، لأنه قادر على الوصول إلى شرائح واسعة من الناس، والتأثير في طريقة فهمهم للآخر، وتقديم صورة مختلفة عن الكنائس والتقاليد المسيحية، تقوم على التعارف بدلًا من الأحكام المسبقة، وعلى الحوار بدلًا من المواجهة.
لكن أمام هذه الرسالة، تقف تحديات كبيرة.
فكيف يمكن للإعلام المسكوني أن يحافظ على رسالته في زمن السرعة والمنافسة على المشاهدات والتفاعل؟
كيف يمكنه أن يجمع بين المهنية الإعلامية والعمق الروحي والكنسي؟
كيف يتعامل مع القضايا الحساسة والخلافات بين الكنائس، من دون أن يتحول إلى مساحة لتكريس الانقسامات؟
وهل يستطيع الإعلام الرقمي، بما يملكه من إمكانات هائلة، أن يفتح آفاقًا جديدة أمام العمل المسكوني، خصوصًا في الوصول إلى الشباب والأجيال الجديدة؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل نحن أمام إعلام ينقل الحوار المسكوني، أم أمام إعلام يستطيع أن يصنع الحوار نفسه؟
ففي عالمٍ باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من الحياة اليومية، لم تعد الكنيسة والمؤسسات الإعلامية قادرة على الاكتفاء بالخطاب التقليدي. الجمهور تغيّر، واللغة تغيّرت، وطرق تلقي المعلومة تغيّرت. والشباب اليوم لا ينتظرون الخبر في نشرة مسائية أو مقال صحفي، بل يبحثون عنه عبر الهاتف، ويشاهدونه في فيديو قصير، ويتفاعلون معه، ويناقشونه، وربما يعيدون إنتاجه ونشره.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام المسكوني في أن يجد لغة جديدة تخاطب الإنسان المعاصر، من دون أن يتخلى عن جوهر الرسالة المسيحية، وأن يستفيد من التكنولوجيا الحديثة ليس فقط للوصول إلى جمهور أكبر، بل لبناء علاقات أكثر عمقًا، وخلق مساحات حقيقية للتعارف والحوار.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل المخاطر التي تفرضها البيئة الإعلامية الجديدة: انتشار الأخبار المضللة، وسرعة تداول المعلومات غير الدقيقة، وخطاب الكراهية، والاستقطاب، والأحكام المسبقة، واستخدام الدين أحيانًا في تعزيز الانقسامات بدلًا من أن يكون عاملًا للمصالحة والسلام.
ومن هنا، فإن الحديث عن الإعلام المسكوني هو في الواقع حديث عن المسؤولية: مسؤولية الكلمة، ومسؤولية الصورة، ومسؤولية الرسالة، ومسؤولية التعامل مع الآخر.
إن الإعلام الذي يحمل روحًا مسكونية مدعو إلى أن يسأل باستمرار: ماذا نريد أن نقول؟ وكيف نقوله؟ ولمن نقوله؟ والأهم: هل ما نقوله يقرّب الإنسان من أخيه الإنسان، أم يزيد المسافة بينهما؟
لأن الكلمة الإعلامية ليست محايدة دائمًا في نتائجها؛ قد تكون جسرًا، وقد تكون جدارًا. قد تفتح نافذة على الآخر، وقد تغلق أبواب الحوار. وقد تساهم في بناء ثقافة الوحدة، كما يمكن أن تكرّس، من حيث لا ندري، لغة الانقسام.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الحلقة، التي نخصصها للحديث عن «الإعلام المسكوني: آفاق وتحديات»، مع الاب د.رفعت بدر في محاولة للاقتراب من هذا الموضوع من مختلف جوانبه: أين يقف الإعلام المسكوني اليوم؟ ما هي رسالته ودوره؟ كيف يمكن تطوير أدواته؟ ما الذي ينتظره الجمهور منه؟ وكيف يمكن أن تكون وسائل الإعلام الحديثة مساحةً حقيقية للتقارب بين الكنائس والمسيحيين؟
سنحاول أيضًا أن نتوقف عند التجارب القائمة، والفرص التي تتيحها التكنولوجيا، والتحديات التي تواجه الإعلاميين والعاملين في المجال الكنسي، وصولًا إلى السؤال الأهم: أي إعلام نريد من أجل مستقبل مسكوني أكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على الحوار، وأكثر حضورًا في قضايا الإنسان والمجتمع؟
ففي النهاية، المسكونية ليست مجرد لقاءات أو بيانات مشتركة، والإعلام ليس مجرد نقل للأحداث؛ كلاهما يمكن أن يلتقيا عند هدف واحد: أن نجعل من الكلمة وسيلةً للتعارف، ومن الحوار طريقًا للتقارب، ومن الإعلام مساحةً تخدم الإنسان والوحدة والسلام.
أهلًا بكم في هذه الندوة ، حيث نفتح معًا هذا الملف، ونحاول أن نقرأ حاضر الإعلام المسكوني، ونستشرف آفاقه، ونتوقف عند تحدياته، واضعين أمامنا سؤالًا أساسيًا:
هل يستطيع الإعلام أن يكون أحد الجسور التي تعبر عليها الكنائس نحو مزيد من التقارب والوحدة؟