تهلّلنَ وفَرِحْنَ بالملكوت السّماويّ

قبل أيّام من عيد الأمّهات، من هنّ الأمّهات القدّيسات؟

"هذه أمّك!" قال يسوع لأحد تلاميذه وهو على الصليب. "هذه أمّك!"... صارت أمّنا وأمّ الكنيسة والبشريّة جمعاء. هي والدة الإله وملكة السّلام، الأمّ الّتي تحمّلت المشقّات والمصاعب بصبر وطاعة، تغلّبت على الشرّ واختارت تربيّة القداسة المكلّلة بالرّأفة والتواضع فتحولت إلى مصدر لحياة النعمة وينبوعًا للرّجاء.

في عالم متقلّب تحمينا والدة الإله من كلّ أهواء شرّيرة لا سيّما من مرض سمّاه قداسة البابا فرنسيس "التيتّم الرّوحيّ"، حيث بات يحيط بنا كلّما افتقدنا لشعور الإنتماء إلى عائلة وشعب وأرض وإله واحد.

على خطى مريم العذراء، أمّهات كثيرات جاهدن عبر التاريخ المسيحيّ، فسِرْن في طريق إلهيّ وحياة مليئة بالمخاطر والمصاعب. إلّا أنّهن تمسّكن بإيمانهنّ وتحلّين بالصّبر والحكمة في اجتياز كلّ المعوقات سعيًا للعبور نحو الملكوت السّماويّ. أمّهات إخترن أن "يكنزن لهنّ كنوزًا في السّماء" فتجلّت مسيرتهنّ بالنّقاوة والقداسة.

في عيد الأمّهات لنتذكّر بعض الأمّهات القدّيسات اللواتي كرّستهن الكنيسة، ففي ذكرهن تكريم لهنّ وتكريم لأمّهات بيننا على خُطاهِنّ!

القدّيسة حنّة

بدايةً لا بدّ من أن نذكر القدّيسة حنّة، زوجة يواكيم، جدّة المسيح ووالدة مريم العذراء. يشير التراث الكنسيّ إلى أنّ يواكيم وحنّة كانا زوجين تقيّين يعيشان بمخافة الله لكن لم يكن لهما ولد إذْ كانت حنّة عاقرًا. لذا حزنا كثيرًا لا سيّما وأنّ العُقم كان يعتُبر عارًا في تلك الحقبة. إلّا أنّ يواكيم وحنّة لم يتوّقّفا عن الصّلاة كي يَنعَم الربّ الإله على حنّة بثمرة البطن.

تجاوزت حنّة سنّ الإنجاب ولم تتحقّق أمنيتها وذلك ليس إعراضًا من الله بل تدبيرًا إلهيًّا كي ينعم عليها ويمنح البشريّة أعظم عطيّة. واصل الزوجان صلاتهما بحرارة وبثقة كاملة بأنّ الله قادر على كلّ شيء، حتّى أرسل الربّ ملاكه إلى حنّة وبشّرها بأنّ الله سينعم عليها ببركة عظيمة لكلّ المسكونة. لذا آمن يواكيم وحنّة بكلام الملاك وحبلت حنّة وأنجبت مولودًا وأصبحت أمًّا لمريم المباركة والدة الإله.

القدّيسة صوفيا

أنجبت القدّيسة صوفيا ثلاث بنات ربّتهنّ على الإيمان والرّجاء والمحبّة لذا دعتهنّ كذلك. عشن في إيطاليا في حقبة الإمبراطور أدريانوس بين عامي 117 و137م، وتميّزت حياتهنّ بالتقوى ومحبّة الربّ يسوع. بعد انتقالهنّ إلى رومية بشّرت صوفيا بإنجيل المسيح بين الوثنيّين فعرف بها أدريانوس وقبض عليها وبناتها.

كانت إيمان تبلغ 12 عامًا آنذاك ورجاء 10 أعوام ومحبّة 9 أعوام. هذا وقد تعرّضن لعذاب قاس من قبل أدريانوس الّذي قطع هاماتهنّ، وذلك أمام عيني أمّهنّ الّتي شهدت على معانتهنّ بصبر وصمود.

أمّا صوفيا فأطلق أدريانوس سراحها وتركها فريسة للحسرة والعذاب. أودعت أجساد بناتها في القبر وواصلت الصّلاة على ضريحهنّ 3 ليال و3 أيّام حتّى أسلمت الرّوح.

 

القدّيسة هيلانة

ولدت القدّيسة هيلانة في مدينة الرها بالجزيرة الفراتيّة عام 247م من أبوين مسيحيّين. تزوّجت من ملك البيزنطيّة قسطنطينوس ورُزقت منه بطفل اسمه قسطنطين حيث عملت على تنشئته بالحكمة والآداب. بعد وفاة قسطنطينوس، أصبح قسطنطين إمبراطورًا على الشّرق وجعل مقرّه القسطنطينيّة. ويُروى أنّه قد رأى في رؤيا صليبًا من نور كُتب في أسفله "بهذا تغلب"، فجعل إذًا من الصّليب راية للجنود وانتصر في الحرب.

أمّا هيلانة فبعد تجاوزها السّبعين عامًا رأت في رؤيا من يقول لها: "إمضي إلى أورشليم وابحثي عن صليب المخلِّص". لذا أرسلها إبنها مع حاشية من الجنود إلى أورشليم حيث التقت بأسقف أورشليم القدّيس مكاريوس وعلمت من أحد المسنّين اليهود عن المكان الّذي دُفن فيه الصّليب، وذلك في هضبة فوقها هيكل وثنيّ للإله فينوس.

أمرت هيلانة بهدم الهيكل فوجدت صليب الربّ بين ثلاثة صلبان وتأكّدت منه بعد وضعه على جسد أحد الرّاقدين الّذي قام فورًا من الموت. من هنا قدّمت هيلانة مبالغ من المال لمكاريوس كي يبني كنيسة القيامة فوق القبر المقدّس، وكنيسة أخرى فوق مغارة بيت لحم، وكنيسة فوق موضع الصّعود على جبل الزيتون...

القدّيسة آميليا

أُجبرت القدّيسة آميليا على الزواج وأنجبت تسعة أولاد زرعت في قلوبهم الرّوح المسيحيّة الحقّ، من بينهم خمسة قدّيسين في الكنيسة وهم باسيليوس الكبير وغريغوريوس النيصصي وبطرس السباسطي ومكرينا وثيوزيبيل.

واجهت القدّيسة آميليا الكثير من الشّدائد فتوفّي والديها قبل زواجها، ومات زوجها بعد ولادة إبنها بطرس، ومات إبنها ناوكراتيوس. إضطرّت إذًا لتربية أولادها بمفردها وواجهت مصاعب عدّة لكنّها استطاعت تجاوزها بإيمان وصبر وشجاعة. وفي سنّ متقدّم أسّست آميليا ديرًا عاشت فيه بقيّة حياتها مع إبنتها مكرينا، وتوفّيت عام 375م.

القدّيسة مونيكا

وُلدت القدّيسة مونيكا في منطقة سوق أهراس الجزائريّة سنة 331، وأنجبت ولدين وإبنة من بينهم القدّيس أغسطينوس الّذي يعود ارتداده إلى بكاؤها الشّديد وصلاتها المستمرّة من أجله، إلى حين تعمّد على إسم المسيح بعد أكثر من 17 عامًا من العناد.

توفّيت القدّيسة مونيكا عام 387 في روما، لتصبح شفيعة المتزوّجات والأمّهات والأرامل.

القدّيسة ريتا

وُلدت القدّيسة ريتا في منطقة روكابورينا الإيطاليّة عام 1381، وأجبرها أهلها على الزواج من رجل قاس. عاشت معه 18 عامًا وتحمّلت الكثير من العذاب لكنّها استمدّت القوّة عبر الصّلاة المستمرّة. عقب مقتل زوجها ووفاة ولديها جرّاء إصابتهما بمرض خطير، دخلت الحياة الرهبانيّة وعاشت حياة مفعمة بالتقشّف والصّوم وتميّزت بثقتها الكبيرة بالربّ.

توفّيت في منطقة كاشيا عام 1457، وأعلنها قداسة البابا لاون الثالث عشر قدّيسة في 24 أيّار 1900 حيث أصبحت شفيعة السيّدات المتزوّجات غير السّعيدات، وشفيعة الأمور المستعصية والمستحيلة.  

القدّيسة زيلي مارتن

وُلدت القدّيسة زيلي - ماري غيران عام 1831 في مدينة غاندولان الفرنسيّة، تزوّجت من لويس مارتن وأنجبت منه تسعة أطفال توفّي أربعة منهم. زيلي هي والدة القدّيسة تيريزا الطفل يسوع وأمّ لخمس بنات دخلن الحياة الرهبانيّة.

توفّيت القدّيسة زيلي مارتن عام 1877. وفي 18 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2015، أعلن قداسة البابا فرنسيس في الفاتيكان قداسة والدي القدّيسة تيريزا الطفل يسوع، وذلك في اليوم العالميّ للمرسلين وخلال انعقاد سينودس العائلة.

القدّيسة جيانّا بيريتّا مولّا

وُلدت القدّيسة جيانّا بيريتّا مولّا في منطقة ماجينتا الإيطاليّة عام 1922، وتخصّصت في طبّ الأطفال حيث اتّخذته مهنة ورسالة، وتميّزت بإيمانها المستقيم من خلال التزامها بالعمل الكاثوليكيّ لا سيّما في مساندة الأيتام وكبار السنّ.

في حملها الرّابع أُصيبت بمرض السّرطان فرفضت إجهاض طفلها بل فضّلت الموت لإنقاذ حياة مولودها قائلةً "يا ربّ إذا أردت أن تختار بيني وبين الطفل، فلا تتردّد. أنا كلّي لك وأتوسّل إليك أن تنقذ حياته"، فتوفّيت في بونتي نوفو عام 1962.

وفي 23 آب/ أغسطس 1973 أعلن قداسة البابا بولس السادس تكريم جيانّا. أمّا في 24 نيسان/ أبريل 1994 فأعلنها البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني طوباويّة، وفي 17 أيّار/ مايو 2004 قدّيسة، لتصبح شفيعة للعائلة.

 

تاريخيًّا، العديد من الأمّهات تلقّين رتبة القداسة وأصبحن مثالًا للعفّة والوداعة، إلّا أنّ أمّهات كثيرات اليوم تستحقّن أيضًا الإكرام إجلالًا لتضحياتهنّ اللّامتناهية في ظلّ الظّروف الصّعبة الّتي تمرّ بها بلداننا.

علمًا أنّ الكتاب المقدّس يقدّم في صفحاته الإلهيّة صفات الأمّ المثاليّة المسيحيّة، فيصفها بأنّها مصدر للتعزية "كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا، وَفِي أُورُشَلِيمَ تُعَزَّوْنَ" (إش 66: 13)، ومنبع للحنان والتضحية "بَلْ كُنَّا مُتَرَفِّقِينَ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا تُرَبِّي الْمُرْضِعَةُ أَوْلاَدَهَا" (1 تس 2: 7). وكذلك يشير إلى أنّ الأمّ تقود أبنائها إلى النعمة الإلهيّة "وَلكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ" (1 تي 2: 15).

دائرة التواصل والعلاقات العامة

Previous
Previous

يوم للسّعادة في 20 آذار/ مارس

Next
Next

من ذاكرة مجلس كنائس الشرق الأوسط: فعاليّات وإجتماعات الجمعيّة العامة الـ11 للمجلس في مجموعة صور