صلاة وحدة في كنف السريان في الفيحاء
ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس هذه الكلمة في اللّقاء المسكوني الّذي أُقيم لمناسبة "أسبوع الصلاة من اجل وحدة المسيحيّين"، يوم الخميس 22 كانون الثاني/ يناير 2026، في كنيسة مار افرام للسريان الارثوذكس_ طرابلس، لبنان.
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
بين الثامن عشر والخامس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير من كل عام، يجتمع المسيحيون حول العالم لكي يصلوا من اجل الوحدة بين المسيحيين، كما سمي أبناء البيعة أولا في انطاكية العظمى، برا بوصية السيد ان نكون واحدا، كما هو واحد مع الأب.
نجتمع الليلة في كنيسة مار افرام، قيثارة الروح القدس، من اجل ان نناجي الرب القدير، خالق السماوات والأرض، النور المنبثق من النور، شعار أسبوع الصلاة للسنة الحالية، وان نقول له اننا واحد فيك، فنحن بذلك واحد في الأب، ونحن في وحدة حال بين بعضنا البعض ومع أبناء مجتمعاتنا، حيث نحيا معهم حياة موحدة المصالح، موحدة المصير، موحدة القيم.
في حضرة احبار الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية اجتمعنا، لكي نصلي معا، ونحن نعي تماما أهمية ان نصلي معا، وان نعيش الرجاء معا، رجاءً نعممه على بني البشر لان السيد الذي اتى كفارة عن ذنوبنا، قد اتى الى جميع البشر.
ان نصلي معا يعني اننا قد تخطينا أخطاء وسامحنا عن خطايا تاريخية، وإننا قد وعينا ان "كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ."، فكيف إذا كنا نتكلم عن مملكة الأب وبيت الرب؟
هو روح الحق، الحاضر بيننا، يلهمنا ان ننهج بالعدل والمنطق، وان نتخطى اختلافاتنا وان نتحد في ناسوتنا، كما نحن موحدون في لاهوته.
ماذا يفيد الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟
البشرية كلها تتطلع الينا لكي ننقذها من الضلال الذي تمادت في السير فيه، لكي نكون نورا ينير دربها، لكي نكون شعاع امل ومحبة لغد أفضل، لكي نمنع الشر من الاستشراء والقضاء على ضمائرنا. لذلك لا يمكننا ان نكون منقسمين، مشرذمين، ومتفرقين مذاهب وشيع. امام جلال الآب لا يمكننا ان نكون الا واحدا، امام صلبه وقيامته وامام تعاليمه.
أقف اليوم امام هيكل كنيسة قد تعرضت لشتى صروف العذاب، وخسرت مئات الألاف من ابناءها، وهجرت من بيوتها واديارها وكنائسها وكل ما تملك، وتشردت في كل اصقاع المعمورة.
اخاطبكم اليوم من امام هيكل من سفك دمهم ودم عيالهم امام ناظريهم، ولم يتراجعوا قيد انملة عن ايمانهم ولم يحيدوا قيد شعرة عن مسارهم.
اكلمكم واحداث سيفوا ماثلة امام ناظري، اعرفها بتفاصيلها الدقيقة، واعيش معاناة من كابد وجعها، وأفكر في قرارة نفسي ان لا غلبة للهاوية على بيعة السيد التي تضم مؤمنين من هذه الخامة وعلماء من هذه السوية.
سيفو محطة تحول اساسية في تاريخ مسيحية اهل المشرق الانطاكي، اهل مدن وبلدات وقرى شمال المشرق الانطاكي، حيث الغت هذه المجزرة الوجود البشري الجغرافي من مناطق مثل طور عابدين ومحيطها البديع المزين بالأيمان والعلم، رغم ان مملكة هؤلاء لم تكن يوما من هذا العالم.
حضارة اهل سيفو قد طبعت أقاليم برمتها بطابعها، ولهجة اهل الشمال اللبناني، ومناطق أخرى من بلاد الشام هي الدليل على ذلك. هي حضارة وصلت الى الهند وافريقيا، وما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم في ثقافتنا. لغتها متحدرة بشكل مباشر من لغة السيد وهي ما زالت تناجي الخالق وتشكره بواسطتها.
اما شقيق شعب سيفو، ارمن كيليكيا، فقد تعرضوا لنفس ممارسات سيفو وفي نفس الحقبة الزمنية. هم شاهدوا عيالهم تباد، وحضارتهم تصادر بعد تدميرها، وهم طردوا من منازلهم وبلادهم، وتفرقوا في اربع زوايا العالم. هذا الشعب المؤمن، الصامد الصابر هو الذي أنتج السنة كتاب صلوات أسبوع الوحدة وطبعه بثقافته ذات النصوص والترانيم الجميلة والأنغام الشجية.
نحن واحد في المسيح، اذ انه، كما ورد في نص صلاة اليوم الخامس، "فأنّ فعل المعموديّة يُرسّخ وحدة المسيحيّين، إذ يطبع دخول الأفراد في شركة الكنيسة ويُثبّت التزامهم المشترك بالرّبّ الواحد. كما يؤكد النص، فالمعموديّة تخلق الهويّة الجماعية للكنيسة، لأننا جميعا واحد في جسد الرب". ان "هذه الوحدة راسخة رغم تنوّع خلفيات الأعضاء"، بكل بساطة لان "وحدتهم في الإيمان والمعموديّة تتجاوز كل الانقسامات". لذلك "تستطيع الكنيسة أن تحتفل بتنوّعها فيما تبقى راسخة في وحدتها" علما ان "الأولوية لهويتنا المشتركة في المسيح على اختلافاتنا".
نحن نصلي الليلة في طرابلس الفيحاء، حيث تفيد اللكنة عن تواجد عريق للثقافة السريانية، لغة السرتو، لغة السريان الغربيين.
طرابلس المدينة التي طالها النصيب الأكبر من الدمار والاذى في بشرها وحجرها. هي طرابلس الشعب الطيب، الذي اُلصقت به الطائفية ظلما وبهتانا، وشعبها من أعرق ناس بر الشام ثقافة وفناً، وحرفة، وانفتاحا، ومودة، ونقول ذلك عن معرفة راسخة بأهل المدينة.
طرابلس، والشمال عامة، الذين أمعن الإهمال بأذيتهم، يستحقون كل الاهتمام والمحبة، لأنهم هم اهل مودة صادقة ومحبة عميقة.
ان تكون رعية مسيحية سريانية في طرابلس، فهذا ليس بالأمر العجيب، لان الجذور واحدة، والتاريخ واحد، والثقافة واحدة.
إذا كنا ندعو للوحدة بين المسيحيين، فمن باب أولى ان ندعو للمحبة بين اهل البلاد على اختلاف اطيافهم، ونعرف معرفة اليقين ان اهل طرابلس هم كذلك، ونكرر اننا نورد ذلك انطلاقا من تجارب حياتية معاشة، شخصيا وعبر المجلس، منذ عقود.
مرويات الحياة اليومية، في طرابلس والشمال، والثقافة الشعبية في هذه المنطقة، ان دلوا على شيء، فهم يدلون على عمق الترابط بين الناس في حياتهم اليومية، ويؤكدون كم ان هناك مساحات مشتركة ن دينية واجتماعية، بين ناسنا الذين يتعاملون مع بعضهم البعض تعامل الاخوة في الوطن والانسانية. وإذا كان هناك من استثناءات، فان ما تقوم به هو تثبيت هذه القاعدة، قاعدة الاخوة الإنسانية.
لقد خطا مجتمعنا خطوات جبارة الى الامام، على صعيد قبول الاختلاف والتمايز واحترامهم، ضمن ضوابط القانون، ولا يشكل الماضي الموجع سوى ذكريات احداث اليمة، الكل أصبح يعلم لماذا حصلت وكيف حصلت، ومن كان وراءها، مع اجماع على عدم العودة اليها.
نحن اليوم في مجتمع التنوع، مجتمع التفاعل مع الشركاء في الوطن كما في الحياة اليومية، مجتمع الغنى الثقافي حيث يتعلم الناس من بعضهم البعض ما يحتاجون الى اعتماده من معايير تصرف وأساليب حياة.
في هذا السياق، لا أستطيع سوى التوقف، دون ان اجرح تواضعهم، امام رعاة هذه الأبرشية المباركة، من مطارنة وكهنة، وأقول لهم " بوركتم لما تقومون به من اعمال، اجتماعية وثقافية، وقمتها الحوار، لان الحوار يعتمد على الكلمة، ولأنه في البدء كان الكلمة".