في حضرة المحبّة والتواضع.. لقاء قداسة البابا تواضروس الثاني
بقلم الشيخ ربيع قبيسي
قرب الكاتدرائية المرقسية في القاهرة، وداخل المقرّ البابوي، كنتُ أنتظر لقاء قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية. وحين أقبل علينا، لفتني في عينيه ذلك الهدوء المضيء، كأنّ النور فيهما لا يحتاج إلى أن يتوهّج كي يُرى، وابتسامةٌ كأنّها تعرف الطريق إلى ضيوفها.
تقدّم يصافح أفراد الوفد المرافق لمجلس كنائس الشرق الأوسط واحدًا تلو الآخر، كنتُ أتابعه وهو ينتقل بيننا، وأرى كيف يمنح كلّ مصافحة وقتها وكلّ وجهٍ التفاتةً تخصّه.
وحين صافحت يدي يدَه، والتقت عيناي بعينيه، كأنّ المصافحة لم تكن عبورًا عابرًا بين كفّين، بل لحظةً التقت فيها إنسانية نظير لك في الخلق.
أنا رجل الدين المسلم القادم من جنوب لبنان وجدتُ في وجهه أُنسًا جعل كلمات التحية القليلة تحمل أكثر ممّا استطعتُ قوله.
ثمّ تكلّم فأصغينا، كانت آذاننا تتلقّى كلماته وقلوبنا تنتظر المحبّة وفي صوته حنانٌ يستبقك، عندها تسمع العبارة ثمّ تبقى لحظةً في دفئها قبل أن تمضي إلى التي تليها، وابتسامته لا تفارق وجهه كأنّه يطمئنّ بها إلى أنّ حديثه بلغنا.
تحدّث عن زرع المحبّة وحين سمعتُ هذه العبارة، عدتُ بذاكرتي إلى استقباله لنا: إلى الخطوات التي مشاها نحونا وإلى يده الممدودة وإلى عينيه اللامعتين، كان قد بدأ يزرعها فينا منذ دخوله ونحن لم نكن نعرف بعدُ أنّ هذا سيكون حديثه.
استهلّ كلامه بصورةٍ قريبةٍ من الحياة: كما أنّ الصحة هي الأصل والمرض هو الاستثناء، وكما أنّ السلام هو الأصل والحرب هي الاستثناء، فإنّ المحبّة هي الأصل في حياة الإنسان والكراهية هي الاستثناء. أصغيتُ إلى هذه الفكرة وأنا أحمل معي وجع بلادي، هناك حيث يطول الخوف والدمار ودموع الأمهات، قد ينسى القلب كيف تبدو الحياة حين تطمئنّ، ولكن كان في حديثه ما يعيد إلى الذاكرة حقّنا في ذلك الاطمئنان والمحبة بعد الكراهية والعنف والدمار والظلم.
ومن تأمّله في الخلق بدا الإنسان كائنًا أراده الله محاطًا بعطاياه، وأقامه في عالمٍ جميلٍ وائتمنه عليه، ومن هنا أخذ قداسة البابا يفتح أمامنا خمس دوائر للمحبّة سمّاها بذورًا تحتاج إلى مَن يغرسها ويتعهّدها حتى تؤتي ثمرها.
كانت البذرة الأولى محبّة الله فتحدّث عن العلاقة الشخصيّة التي يستطيع فيها الإنسان أن يقول من قلبه: أنا بحبّك يا رب، لامستني بساطة العبارة شعرتُ أنّ فيها قربًا يعرفه المؤمن حين يرفع دعاءه، ويحمل إلى الله ضعفه وشكره ورجاءه، وفي حديثه كانت الصلاة والصوم وسائر الممارسات الدينيّة تستمدّ روحها من هذه العلاقة، ثمّ يظهر أثرها في الرحمة التي نحملها إلى الناس.
وتوقّف عند عطايا الله التي ترافقنا في كلّ لحظة: انتظام الكون، والشمس والقمر، والهواء الذي نتنفّسه، أشياء نعيش بها كلّ يوم وقد نعبر عنها غافلين، فإذا بالتأمّل فيها يعيد إلينا شعور الامتنان.
ثمّ انتقل إلى محبّة الخليقة، هنا اتّسعت دائرة الحديث لتشمل الماء والشجر والحيوان والأرض، وكلّ ما وُضع بين أيدينا وصارت سلامته أمانةً في أعناقنا.
روى عن فيلمٍ قصير بعنوان (النيل يتألّم) يستحضر ما يفعله التلوّث بهذا النهر، وبقيتُ عند العنوان قليلًا: كم من أذى يصيب الحياة من حولنا ونحن نمرّ بجانبه، منشغلين حتى تأتي كلمةٌ فتجعلنا نراه؟
ومن النهر وصل إلى ورقةٍ ملقاةٍ على الأرض، وإلى طفلٍ نتعلّم كيف نعلّمه أن يرفعها، في تلك الحركة الصغيرة تربيةٌ على العناية، يدٌ تحفظ نظافة المكان وقلبٌ يتدرّب على المسؤولية، وربط قداسته بين صون الأرض ونقاء الداخل، كأنّ رعاية ما حولنا توقظ فينا الرغبة في أن نكون أصفى وأرحم.
أمّا البذرة الثالثة، محبّة الآخر الإنساني فشعرتُ أنّها تمتدّ إلى جلستنا نفسها كان يتحدّث عن الإنسان الذي يستحقّ المحبّة بإنسانيّته، وعن القريب الذي تتّسع صورته لتشمل كلّ إنسان مهما كان دينه أو لغته أو وطنه.
وأحببتُ توقّفه عند معنى التنوّع لا الإختلاف فلكلّ واحدٍ منّا عالمه الصغير، بما فيه من ذكرياتٍ وأفكارٍ وأحلام وهذه العوالم تلتقي في عالمٍ كبير نتقاسم فيه الحياة.
تأمّلتُ الوجوه من حولي لكلّ وجهٍ رحلةٌ أوصلته إلى هذا المكان ولكلّ قلبٍ ما يرجو أن يعود به منه.
ثمّ جاءت حكاية الأصابع الخمسة وما يحمله كلّ إصبعٍ من شعورٍ بأهميّته، حتى تتّضح حاجتها جميعًا إلى التعاون، كانت الحكاية تردّ فكرة التكامل إلى صورةٍ نراها كلّ يوم في أيدينا: تنوّعٌ يجعل العمل ممكنًا، ومواهب تتلاقى في خدمة الحياة.
واستحضر سؤالًا طرحه على الشباب يوماً: كيف تستمرّ مدينةٌ لو صار جميع أهلها أطبّاء؟ يحتاج المجتمع إلى المعلّم والمزارع والمهندس والسائق وعامل النظافة، كما يحتاج إلى الطبيب، وفي تقدير كلّ واحدٍ منهم تبدأ محبّة الآخر، ويجد الإنسان اعترافًا بكرامته وبما يقدّمه.
وحين وصل إلى البذرة الرابعة، محبّة الأرض والوطن حضرتْ بلادي في داخلي لبنان وجنوبه والأطفال الأبرياء.
كان قداسة البابا يعتزّ بمصر ويفسح في حديثه مكانًا لاعتزاز كلّ إنسانٍ بوطنه، ذكر مصر ومعالمها ولبنان وأرزه والعراق وتونس وغيرها، وتحدّث عن الجذور التي يحملها الإنسان معه أينما ذهب.
سمعتُ ذلك ومرّت في خاطري أرض الجنوب بعض الأماكن تسكننا إلى حدّ أنّ ذكر اسمها يوقظ فينا وجوهًا وأصواتًا ورائحةَ بيت، وفهمتُ محبّة الوطن في كلامه بوصفها رعايةً لأهله وأرضه وأمانةً في خدمته، واحترامًا لما تحمله أوطان الآخرين من مكانةٍ في قلوبهم.
ثمّ أخذنا إلى البذرة الخامسة، محبّة السماء والأبديّة، دعا لنا بعمرٍ طويلٍ وجميل وذكّرنا بأنّ رحلتنا على الأرض تنتهي يومًا وفي حنان صوته، صار هذا التذكير دعوةً إلى أن نحسن العيش: أن نعطي، وأن نخفّف ألمًا، وأن نترك في حياة مَن نلقاهم أثرًا يستحقّ البقاء.
كنتُ أسمعه وأفكّر في ما يحمله الإنسان معه من عمره كم من لحظةٍ نظنّها عابرة، ثمّ تبقى في قلب أحدهم سنوات؟ وكم من كلمةٍ رفيقة تمنح إنسانًا قدرةً على مواصلة الطريق؟
وجمع حديثه في الدعوة إلى المحبّة بالعمل والحق، وختم بالقول: المحبّة لا تسقط أبدًا.
وقتها شعرتُ أنّ هذه الكلمات تعود إلى أوّل اللقاء إلى استقباله لنا وتواضعه، وابتسامته التي بقيت معنا طوال الحديث.
خرجتُ من المقر البابوي أحمل رقّةً في القلب يصعب أن أضعها كلّها في الكلمات، كنتُ قد جئتُ لألتقي قداسة البابا، وعدتُ أحمل سؤالًا يخصّني: أنا من موقعي كيف أجعل مَن يلقاني يشعر بشيءٍ من هذه الطمأنينة؟ وكيف أمنح المحبّة مكانًا أوسع في خدمتي للناس؟
وما زلتُ أذكره كما رأيته أوّل مرّة: مقبلًا علينا، مبتسمًا.. وكلّ واحدٍ منّا يشعر أنّه مقبلٌ إليه.
القاهرة في ٩/١٠/٢٠٢٦
بقلم الشيخ ربيع قبيسي