مناجاة إلى القديسة تريز الأفيلية في عيدها

بقلم الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس

في هذا الزمن الصعب الذي تمر به الإنسانية، حين يتحول الانسان مصيبة للإنسان لا سندا له، في هذا الزمن البشع حيث تنهش المخلوقات لحم بعضها البعض، احتجت ان اناجي هذه القديسة العظيمة في عيدها.

يا تريز الأفيلية، يا ابنةَ قلعةٍ صارت في يديكِ قلعةً للروح، نرفع إليكِ اليوم صلاة المحبة في عيدكِ، لا لكي نحبسكِ في صورة قديمة من كتب القديسين، بل لكي نراكِ حيّةً في الكنيسة، شاهدةً على أن اللّه ما زال يوقظ القلوب، ويقيم من الضعف قوة، ومن القلق سلامًا، ومن الإنسان العادي رسولًا للنور. يا من وُلدتِ في أفيلة سنة 1515، ونشأتِ في بيتٍ امتلأ بحب الكتب وسير القديسين، علّمتكِ نعمةُ اللّه منذ طفولتكِ أن الحياة لا تبلغ معناها إلا إذا اتجهت بكاملها نحو الأبدية.

يا تريز، دخلتِ رهبنة الكرمل شابةً، وحملتِ في جسدكِ أوجاعًا قاسية، وفي نفسكِ صراعاتٍ طويلة، ولم تخفي عن اللّه فتوركِ ولا خوفكِ ولا عجزكِ عن الصلاة. كم نحتاج اليوم إلى صدقكِ! لم تقدّمي قداسةً مصطنعة، بل اعترفتِ بأن القلب قد يهرب من اللّه حتى وهو يقف أمام المذبح. ثم جاءتكِ نعمةُ العودة، حين وقفتِ أمام صورة المسيح المتألم، فرأيتِ في نظرته حبًا لا يدين، فذابت مقاوماتكِ، واستيقظت فيكِ حياة جديدة. يا رب، امنحنا من دموع تريز ما يغسل قسوة قلوب جزاري الأطفال في بلادي، في غزة وجنوب لبنان، ومن شجاعتها ما يردّنا إليك حين نتعب.

يا قديسة الصلاة، لم تفهمي الصلاة كلامًا كثيرًا، بل صداقةً عميقة مع ذاك الذي نعرف أنه يحبنا. وفي القلعة الداخلية رسمتِ للنفس مسالكها، من الضجيج الخارجي إلى الغرف العميقة حيث يسكن الملك. تكلمتِ عن التأمل والاتحاد والدموع والنور، لكنكِ بقيتِ واقعية: أظهرتِ أن الصلاة لا تعزلنا عن الناس، بل تجعلنا أكثر رحمة، وأكثر احتمالًا، وأكثر استعدادًا للخدمة. علّمينا أن نبحث عن اللّه في صمتنا، وفي عملنا، وفي وجوه الفقراء، وفي جراح العائلة، وفي كل مكان ينتظر فيه أحدٌ كلمة رجاء.

يا امرأة المواهب المتعددة، كنتِ كاتبةً بارعة، وصاحبة بصيرةٍ روحية، ومربيةً للنفوس، ومؤسسةً تعرف كيف تدير البيوت وتواجه التعقيدات. امتلكتِ ذاكرةً نافذة، وفكاهةً لطيفة، وإرادةً لا تنحني أمام الاعتراض. كتبتِ حياتكِ لا لتمجّدي ذاتكِ، بل لتكشفي كيف يصنع اللّه من التاريخ الشخصي طريقًا للخلاص. وكتبتِ طريق الكمال لتصوني جماعاتكِ من التشتت، والقلعة الداخلية لتدلّي السائرين على جمال النضج الروحي، وكتاب المؤسسات لتتركي خبرةً عملية للأجيال. كان قلمكِ مصباحًا، وكانت إدارتكِ شكلًا من أشكال المحبة.

يا تريز، لم تكتفي بالكلام، بل حملتِ إصلاح الكرمل في طرق إسبانيا، وأسستِ، رغم الفقر والسفر والمرض وسوء الفهم، سبعة عشر ديرًا للأخوات الكرمليات الحافيات، وتعاونتِ مع القديس يوحنا الصليب في ولادة الفرع الرجالي للإصلاح. فيكِ اجتمع التأمل والعمل، والرقة والصلابة، العزلة والرسالة. كان قلبكِ مأخوذًا باللّه، لكن قدميكِ بقيتا على تراب العالم، تمشيان في البرد والتعب، وتقرعان أبوابًا مغلقة، وتدافعان عن حق الروح في أن تتنفس بحرية الإنجيل.

وفي عيدكِ، يا من اخترق قلبكِ سهم المحبة الإلهية، لا نطلب اختباراتكِ الخارقة، بل نطلب أمانتكِ اليومية. اجعلي منازلنا أديرةً صغيرة يسكنها الغفران، واجعلي كنائسنا مدارس للصلاة والرحمة، واجعلي اختلافاتنا فرصةً للتواضع لا ذريعةً للخصام. نتوجه إليكِ مع جميع المؤمنين: الكاثوليك والأرثوذكس والإنجيليين وسائر إخوتنا الذين يحبون المسيح ويطلبون وجه اللّه، ومع كل إنسانٍ يحمل عطشًا روحيًا ولو لم يجد بعدُ اسمًا لعطشه. ساعدينا أن نرى في كل معمَّدٍ أخًا، وفي كل باحثٍ عن الحق رفيقًا، وفي كل متألمٍ مكانًا لحضور الرب.

يا معلمة الكنيسة، التي اعترف بها شعب اللّه دكتورةً للكنيسة سنة 1970، لم تكن عظمتكِ في لقبٍ يكرّمكِ، بل في أنكِ تركتِ المعرفة تنحني أمام المحبة. علمتِنا أن القداسة ليست هروبًا من المسؤولية، وأن التواضع ليس احتقارًا للذات، وأن الطاعة لا تلغي العقل، وأن الجرأة لا تناقض الوداعة. كنتِ تعرفين ضعفكِ، ولذلك لم تتكلي إلا على النعمة؛ وكنتِ تعرفين قوة النعمة، ولذلك لم تسمحي لضعفكِ أن يكون عذرًا. في هذا سرُّ قداسةٍ ناضجة، لا تخاف الحقيقة ولا تتعب من البدء من جديد.

فيا تريز، صلّي لأجل المؤمنين المتعبين، ولأجل الذين فقدوا ثقتهم بالصلاة، ولأجل الرعاة والمكرّسين والعائلات والشباب، ولأجل الكنائس التي تتوق إلى وحدةٍ لا تمحو تنوعها، بل تحوّله إلى غنى. صلّي لأجل عالمٍ يملك وسائل كثيرة ولا يجد سكينة، ويجمع معلوماتٍ لا تحوّلها دائمًا إلى حكمة. علّمينا عبارتكِ المضيئة: لا يضطرب القلب، فاللّه وحده يكفي؛ لكن اجعليها فينا حياةً لا شعارًا. حين نخاف، ذكّرينا أن الرب يسير معنا. حين نفشل، افتحي أمامنا باب التوبة. حين ننجح، احفظينا من الغرور. وحين نحب، ساعدينا أن نحب بلا امتلاك.

يا ابنةَ الكنيسة الجامعة، علّمي المؤمنين أن المسكونية تبدأ من الركوع المشترك أمام سرّ المسيح، ومن الإصغاء إلى مواهب الآخرين، ومن الاعتذار عن جراحٍ صنعتها انقساماتنا. اجعلي اختلاف التقاليد جسورًا للحوار، لا أسوارًا للعزلة، وحرّكي فينا شوقًا إلى أن تلتقي القلوب قبل أن تتفق العبارات. ليحمل كلُّ واحدٍ منا شمعةً من نوره، فلا يطفئ نور أخيه، بل يضيف إليه، حتى يصير العالم أكثر قدرةً حقًا على تصديق الإنجيل في المحبة، والحق، والرجاء، والرحمة، الذي يجمع ولا يفرّق، ويشفي ولا يجرح أبدًا.

يا قديسة تريز، اقبلي مناجاتنا المتواضعة، واحمليها إلى قلب المسيح الذي أحببتِه حتى النهاية. اجعلي فينا عقلًا يقظًا، وقلبًا سخيًا، ولسانًا صادقًا، ويدين مستعدتين للخدمة. ليكن عيدكِ دعوةً إلى أن ندخل القلعة الداخلية لا لنختبئ، بل لنخرج منها أكثر شجاعةً إلى العالم. وليكن إرثكِ بيننا صلاةً تعمل، ومحبةً تميّز، وإيمانًا يفرح وسط المحن. يا تريز الأفيلية، صديقة اللّه ومعلمة السائرين، قودي جميع المؤمنين إلى الوحدة في المسيح، واجعلي الكنيسة، بكل تقاليدها وشعوبها، بيتًا واسعًا للرجاء. آمين.

Previous
Previous

المسكونية تجمع العرب في القاهرة مواجهةً لخطاب الكراهية

Next
Next

في حضرة المحبّة والتواضع.. لقاء قداسة البابا تواضروس الثاني