المسكونية تجمع العرب في القاهرة مواجهةً لخطاب الكراهية
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
لم يكن المؤتمر الإقليمي «مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معًا»، الذي انعقد في القاهرة في الرابع والخامس من تشرين الأول/أكتوبر، لقاءً أكاديميًا عابرًا، بل كان موعدًا عربيًا: كيف نحمي الإنسان من الكلمات التي تبدأ بالإقصاء، وتنتهي بتفكيك المجتمع وإشعال العنف؟ لقد جمع المؤتمر باحثين وقادة دينيين وخبراء من بلدان عربية متعددة، في مشهد عكس اتساع الهمّ المشترك ووحدة التطلّع إلى مستقبل أكثر أمنًا وتماسكًا.
جاء انعقاد المؤتمر ثمرةً لدور ريادي يضطلع به مجلس كنائس الشرق الأوسط في تحويل الحوار من شعار إلى ممارسة مؤسسية وبرنامج مستدام. فالمجلس لم يكتفِ بتشخيص خطاب الكراهية، بل فتح مساحة عربية للبحث في جذوره الدينية والاجتماعية والقانونية والتربوية والإعلامية، وفي أثر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي في نشره أو الحدّ منه. ومن القاهرة، بدا واضحًا أن مواجهة الكراهية لا تعني إلغاء الاختلاف، بل إدارته بالحوار، واحترام الكرامة الإنسانية، وقبول التنوع، وصون الحق في الحياة معًا.
وكان للهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية دور أساسي، إذ احتضنت في مكاتبها افتتاح المؤتمر، بحضور رئيسها القس الدكتور اندريه زكي، وقدّمت له دعمًا مؤسسيًا ومالياً جعل اللقاء ممكنًا وفاعلًا. وتنسجم هذه الاستضافة مع خبرة الهيئة الطويلة في الحوار المجتمعي، وتعزيز المواطنة، وبناء جسور التواصل بين مكوّنات المجتمع. وقد أظهر التعاون بين الهيئة والمجلس أن القضايا الكبرى لا تُواجه من زاوية واحدة، بل بشراكة تجمع الكنائس والباحثين والمؤسسات المدنية والإعلامية والتربوية.
ما ميّز المؤتمر أنه كان لقاءً عربيًا حقيقيًا. فقد حضر الباحثون من مشرق العالم العربي ومغربه وخليجه وواديه، حاملين تجارب مختلفة، لكنهم التقوا عند قناعة واحدة: أن الشعوب العربية، على تنوعها الديني والثقافي والسياسي، تتوق إلى الوحدة، وإلى استعادة الألفة، وإلى تماسك اجتماعي يحميها من مشاريع التفتيت. وفي النقاشات، لم يكن التنوع سببًا للانقسام، بل مصدرًا للغنى، إذ أتاح الإصغاء إلى آلام المجتمعات وأسئلتها، والبحث عن لغة مشتركة تردّ الاعتبار إلى الإنسان قبل هويته.
وتُوّج هذا المسار بزيارة وفد ضم جميع المشاركين إلى قداسة البابا تواضروس الثاني في المقر البابوي بالقاهرة. فاستمع إلى عرض لمحاور المؤتمر وتوصياته، وشدّد في كلمة مسهبة مميزة على المحبة بوصفها قوة عملية في مواجهة الكراهية وبناء مجتمع يستطيع أفراده أن يعيشوا معًا رغم اختلافاتهم. لقد حمل اللقاء دلالة عميقة: فالحوار الذي بدأ في قاعات البحث اتسع ليشمل المرجعية الروحية، مؤكدًا أن السلام الاجتماعي يحتاج إلى فكر مستنير وإرادة أخلاقية ومؤسسات تؤمن بالإنسان.
وقد أتاح المؤتمر أن يتحول الإصغاء إلى التزام، وأن تنتقل الأفكار من القاعة إلى المدارس والمنابر الدينية والإعلام والمنصات الرقمية. فالكلمة المسؤولة ليست ترفًا، بل حماية للسلم الأهلي، واللغة الرحيمة ليست ضعفًا، بل بداية ترميم ما كسرته الانقسامات في مجتمعاتنا العربية اليوم.
ولم يكتفِ المؤتمر بتبادل الرؤى، بل انتهى إلى توصيات تضمنتها «شرعة القاهرة» لمواجهة خطاب الكراهية وحماية الكرامة الإنسانية. وتكمن قيمتها في إمكان تحويلها إلى مرجع عملي لرسم سياسات عربية جديدة للسلم الأهلي: إدماج التربية على الحوار وقبول التنوع في المناهج، تطوير خطاب إعلامي مسؤول، بناء شراكات بين المؤسسات الدينية والمدنية، ومواجهة التحريض الرقمي، مع إنشاء آليات عربية للرصد والتنسيق وتبادل الخبرات. بذلك تنتقل الشرعة من وثيقة أخلاقية إلى إطار عمل يقي المجتمعات التفكك والعنف.
لذلك، ينبغي قراءة هذا المؤتمر بوصفه جزءًا من جهد متواصل لمجلس كنائس الشرق الأوسط في نشر ثقافة الحوار، لا فعالية منفصلة عن سياقه. فالمطلوب ليس مجتمعًا بلا خلاف، فهذا غير ممكن، بل مجتمع يعرف كيف يختلف دون أن يكره، وينتقد دون أن يؤبلس، ويدافع عن معتقده دون أن يهين معتقد الآخر. ومن هنا تكتسب «شرعة القاهرة» أهميتها بوصفها خطوة في بناء خطاب بديل، يردم الفجوات ويعيد تأهيل الثقة والرأسمال الاجتماعي، وصولًا إلى مجتمع عربي سوي، مستقر، متآلف، وقادر على تحويل التعدد من مصدر خوف إلى طاقة حياة.