كلام في الوجدان للزمن الصعب
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
هذه قراءة تحليلية في كلمة غبطة البطريرك يوحنا العاشر في افتتاح أعمال المجمع المقدس في البلمند، في 20 تشرين الأول/اكتوبر 2026، وقد رأينا ان نتوقف عندها لما تكتنزه من ابعاد وقيم وتطلعات من الضروري التذكير بها والسير بموجبها.
غبطته، بهذا الكلام النبوي، انما يعبر عما يختلج في صدورنا جميعاً، في هذا الزمن العصيب، من مشاعر واحاسيس وايمان بكنيسة صامدة في ارضها لأنها جزء من الوطن، جزء من جذوره وتاريخه وذاكرته وثقافته، ولأنها تتشارك هذا الوطن مع كافة مكوناته، على اختلافها.
تكشف كلمة غبطته عن رؤية كنسية تتجاوز إدارة الشأن الداخلي إلى مقاربة أوسع لدور الكنيسة الأنطاكية في الشرق وفي بلاد الانتشار. ويمكن قراءة الكلمة من خلال خمسة محاور مترابطة: المسؤولية، الحضور، الشهادة، الوحدة، والمجمعية.
أول ما يبرز هو إدراك البطريرك لثقل المسؤولية التاريخية الملقاة على الكنيسة. تعبيره عن «صليب مسؤولية تاريخية» يضع العمل الكنسي في إطار روحي وواقعي معاً. فالكنيسة، كما يقول، ليست «صانعة عجائب» وليست مستسلمة. وهذه الثنائية تحمل موقفاً متوازناً يرفض من جهة تحميل الكنيسة ما يفوق قدرتها، ويرفض من جهة أخرى استخدام الصعوبات ذريعة للانكفاء. المهمة هي العمل ضمن الممكن والمتاح، وبروح إنجيلية تستند إلى المحبة والشهادة.
في الوقت نفسه، يقدّم الخطاب نقداً واضحاً لفكرة الكنيسة المثالية أو المعصومة بشرياً. فالبطريرك لا ينكر إمكان الخطأ والنقد، لكنه يرفض أن تُختزل الكنيسة في أخطائها أو في تقييم الآخرين لها. بهذا المعنى، يرسّخ خطاباً كنسياً واقعياً يميّز بين قداسة الرسالة وضعف البشر الذين يحملونها.
المحور الثاني يتمثل في التأكيد على أصالة الوجود المسيحي في الشرق. فالوجود ليس، في نظره، حادثاً تاريخياً عابراً، بل مرتبط بجوهر المسيحية نفسها وبسر التجسد. استحضاره أقوال البطريركين إغناطيوس الرابع هزيم والياس الرابع معوض يعيد تثبيت العلاقة بين المسيحية وجغرافية المشرق الانطاكي: القدس ودمشق وبيروت وأنطاكية ليست مجرد أمكنة، بل فضاءات شكّلت الذاكرة المسيحية الأولى.
وهنا يتحول الحضور إلى رسالة. فالكنيسة لا تدافع عن وجودها بوصفه امتيازاً طائفياً، بل تقدمه في إطار الوحدة في الحياة والشراكة مع مختلف المكونات الدينية. عبارة «كنا جسر تواصل يوم علت لغة المتاريس» تكثف تصوراً لدور الكنيسة باعتبارها وسيطاً للمصالحة لا طرفاً في الانقسام.
المحور الثالث يتعلق بعلاقة الكنيسة بالشأن الوطني والسياسي. يميز البطريرك بين «كلمة الحق في الشأن الوطني الذي يجمع» و«دهاليز السياسة التي تفرق». وهذا التمييز مهم، لأنه لا يدعو إلى انسحاب الكنيسة من المجال العام، بل إلى حضور لا يتحول إلى اصطفاف سياسي. فالكنيسة تحترم خيارات أبنائها، لكنها تحافظ على مساحة جامعة تتجاوز الانقسامات الحزبية.
أما المحور الرابع فهو وحدة أنطاكية بين الوطن والانتشار. الخطاب هنا يحمل قلقاً واضحاً من أن يؤدي الانتشار الجغرافي والثقافي إلى تراجع الشعور بالانتماء إلى الكنيسة الأم. لذلك يؤكد ضرورة تعزيز «الفكر الأنطاكي والهوية الأنطاكية» في اللغة واللاهوت والتقليد، مع إبقاء العلاقة حية بين أبرشيات الانتشار والديار الأم. هذه الوحدة لا تُفهم بوصفها مركزية إدارية، بل باعتبارها تبادلاً في الانتماء والمسؤولية.
في هذا السياق أيضاً يأتي رفضه للانغلاق الإثني والقومي، وتحذيره من «الاقتناص» تحت عناوين البشارة أو المساعدات الإنسانية. هنا تظهر رؤية ترفض تحويل الدين إلى أداة منافسة بين الكنائس، كما ترفض اختزال المسيحية في هوية عرقية أو قومية. الأولوية هي للانتماء إلى المسيح وللتعاون بين الكنائس.
المحور الأخير هو المجمعية. فالمجمع، بحسب الكلمة، ليس مجرد هيئة تجتمع لاتخاذ القرارات، بل «اجتماع الكل إلى واحد». المجمعية هنا واقع معاش ومسيرة دائمة في حياة الكنيسة، لا طقساً مؤسسياً جامداً. وهي تقتضي التعاضد بين الأبرشيات، والمشاركة في حمل المسؤولية، والتعبير عن وحدة الكنيسة عملياً.
في المحصلة، تقدم الكلمة تصوراً لكنيسة أنطاكية ترى نفسها شاهدة في الشرق لا منغلقة فيه، حاضرة في الشأن العام دون أن تتحول إلى طرف سياسي، متجذرة في تاريخها دون أن تصبح أسيرة له، ومنفتحة على الانتشار دون أن تفقد هويتها. إنها دعوة إلى كنيسة موحدة، واقعية، مجمعية، تحمل مسؤولية وجودها في الشرق بوصفه رسالة خدمة وشهادة وحياة مشتركة، لا مجرد دفاع عن البقاء.