منع اغتيال بيئة لبنان

كلمة الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس في المؤتمر الّذي أُقيم بعنوان "منظورات دينيّة حول الأزمة البيئيّة في لبنان" في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، بالشراكة مع مجلس كنائس الشرق الأوسط، منظّمة "دانمشن" Danmission، وFondation Diane، وذلك يوم الخميس 29 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2026، في حرم الابتكار والرياضة التابع للجامعة - قاعة فرانسوا باسيل.

البروفسور ميشال عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

الأساتذة الأفاضل، القادة الدينيون، الزميلات والزملاء، الطلاب، الضيوف والأصدقاء،

يسرّني أن أرحب بكم في جامعة القديس يوسف في بيروت للمشاركة في هذا المؤتمر حول “المقاربات الدينية للأزمة البيئية في لبنان”.

يأتي لقاؤنا في وقت لم يعد من الممكن فيه التعامل مع المسألة البيئية في لبنان على أنها قضية ثانوية. فهي تمسّ الصحة العامة، والزراعة، والمياه، والطاقة، والحياة الحضرية، وحماية الموارد الطبيعية، وفي نهاية المطاف كرامة كل إنسان يعيش على هذه الأرض ومستقبله.

إن الأزمة البيئية ليست أزمة تقنية فحسب، بل هي أيضًا أزمة أخلاقية وثقافية وسياسية وقانونية وروحية.

وفي لبنان، علينا أيضًا أن نتحلى بالشجاعة لمراجعة بعض جوانب ذهنيتنا الجماعية. فكثيرًا ما يُتعامل مع الفضاء العام وكأنه لا يخص أحدًا بدل أن يُنظر إليه على أنه ملك للجميع. وقد تتغلب المصلحة الفردية على المصلحة العامة، فيما تصبح بعض الانتهاكات البيئية أمرًا عاديًا في حياتنا اليومية. فقد تُرمى النفايات من دون اكتراث بعواقبها، وقد يتوسع البناء من دون احترام كافٍ للمشهد الطبيعي والأنظمة البيئية، وقد تُستهلك الموارد الطبيعية وكأنها غير محدودة.

ولا يمكن فصل هذه الذهنية عن مشكلة رئيسية أخرى، هي ضعف الرقابة الحكومية وضعف تطبيق القوانين. فلبنان يملك قوانين ومؤسسات وبلديات ووزارات وآليات تنظيمية، إلا أن التطبيق غالبًا ما يكون غير منتظم. كما أن ضعف الرقابة، وتشتت المؤسسات، والتدخلات السياسية، ومحدودية المساءلة، ونقص الموارد، كلها عوامل يمكن أن تخلق فجوة بين التشريعات البيئية والواقع البيئي.

ومن هنا، للدين دور مهم يؤديه، ليس بوصفه بديلًا عن الدولة أو عن الخبرة العلمية، بل باعتباره مصدرًا للقيم القادرة على تشكيل الضمير وتعزيز حس المسؤولية.

وكما يُظهر البرنامج، ستتناول الجلسة العامة الأسس الأخلاقية والسياسية والقانونية للمسؤولية البيئية في التعاليم الدينية، مع تسليط الضوء على التحديات التي نواجهها، وعلى القيم التي تستطيع التقاليد الدينية المختلفة أن تقدمها في سعينا نحو الاستدامة.

وتذكّرنا التقاليد الدينية بأن الخليقة ليست مجرد مورد يُستغل، بل هي عطية وأمانة ومسؤولية تجاه الأجيال الحاضرة والقادمة.

أما ورش العمل الثلاث، فتعمّق هذا النقاش في اتجاهات عملية.

فالورشة المخصصة للتربية الدينية والبيئة تدعونا إلى التفكير في كيفية جعل المسؤولية البيئية جزءًا من التربية والتنشئة الروحية منذ سن مبكرة.

أما ورشة «المنظمات القائمة على الإيمان بوصفها فاعلًا في العمل البيئي»، فتبحث في كيفية تحويل المؤسسات الدينية القيم إلى مبادرات عملية داخل المجتمعات.

وتتناول ورشة «القيادة الدينية والأخلاق والحوكمة البيئية» مسؤولية القادة الدينيين في المساهمة في رفع مستوى الوعي العام، وتعزيز المساءلة الأخلاقية، وترسيخ ثقافة الحوكمة المسؤولة.

ومن هنا، فإن هدف هذا المؤتمر لا يقتصر على وصف الأزمة البيئية في لبنان، بل يتمثل أيضًا في طرح السؤال حول ما يستطيع كل واحد منا أن يقدمه من أجل تغيير هذا الواقع.

نحن ندرك تمامًا حجم الضرر الذي لحق بالبيئة في لبنان. فالمؤشرات حمراء، ومستوى اللامبالاة مرتفع. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير مما يستحق الحماية والإنقاذ.

وقد تكون مسيرة الإصلاح أطول مما نتوقع، لأن المسألة في جوهرها مسألة أخلاق وقيم، إلا أنه يتوجب علينا مواصلة تعبئة أصحاب الإرادة الحسنة ليكونوا جزءًا من عملية الإنقاذ، قبل فوات الأوان، وقبل أن يصبح الندم غير ذي جدوى.

عسى أن تسهم نقاشاتنا اليوم في تعزيز التعاون بين الجامعات، والجماعات الدينية، والمجتمع المدني، والمؤسسات العامة، والمواطنين، وأن تساعدنا على الانتقال من الاهتمام بالبيئة إلى تحمّل المسؤولية تجاهها، ومن المسؤولية إلى العمل المستدام.

أهلًا وسهلًا بكم جميعًا، وأتمنى لهذا المسعى كل النجاح.

Next
Next

فيديو - كلمة الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس الترحيبية في مؤتمر «مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز الكرامة الإنسانية» - القاهرة