البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
من أخطر مظاهر الفساد ألا يكتفي الفاسد بالاستفادة من المؤسسة، بل أن تتحول المؤسسة نفسها إلى درع يحميه من المساءلة. عندها، لا تعود القضية مرتبطة بشخص ارتكب مخالفة أو أساء استعمال السلطة، بل تصبح أزمة بنيوية تهدد تاريخ المؤسسة وسمعتها وثقافتها ومستقبلها.
عندما يكون الفاسد نافذًا، تتكون حوله منظومة دفاع كاملة. يتجند التابعون والأزلام والمسترزقون والجبناء، لا دفاعًا عن الحقيقة، بل دفاعًا عن مصالحهم المرتبطة ببقائه. بعضهم يفعل ذلك طمعًا بترقية أو امتياز، وبعضهم خوفًا من خسارة متوقعه، وبعضهم لأن سنوات التبعية أفقدته القدرة على اتخاذ موقف أخلاقي مستقل. وهكذا تتحول المؤسسة من فضاء للعمل المشترك إلى شبكة ولاءات شخصية.
في هذه البيئة، تصبح الحقيقة أولى الضحايا. تُحرّف الوقائع، تُحجب الوثائق، تُنتقى المعلومات بعناية، ويُعاد تركيب الرواية بحيث يظهر الفاسد ضحية، فيما يتحول من يطالب بالشفافية إلى متهم بإثارة المشكلات أو الإساءة إلى المؤسسة. وقد تُمارس ضغوط مباشرة أو غير مباشرة على الشهود، ويُستخدم الابتزاز والتهديد والترهيب لدفع النفوس الضعيفة إلى الصمت أو تغيير مواقفها.
الأخطر أن الدفاع عن شخص واحد قد يؤدي إلى التضحية بتاريخ مؤسسة بناها عشرات أو مئات من الأشخاص عبر سنوات طويلة. الإنجازات تُهمل، القيم تتراجع، الثقافة المؤسسية تُشوَّه، والكفاءات الصادقة تُهمَّش، فقط لأن الاعتراف بالحقيقة قد يؤدي إلى سقوط شخصية نافذة.
هذه الظاهرة واسعة الانتشار في مجتمعات عديدة من العالم الثالث، وهي لا تنفصل عن ضعف التربية الديمقراطية، وغياب ثقافة الحرية والمساءلة، وانتشار مفهوم الطاعة العمياء للسلطة. فعندما لا يتعلم الإنسان منذ الصغر أن المؤسسة أكبر من الأشخاص، وأن النقد ليس خيانة، وأن الاختلاف حق، يصبح من السهل تحويل الولاء للمؤسسة إلى ولاء لشخص.
وتزداد المشكلة حين تسود ثقافة كمّ الأفواه. فالذين يعرفون الحقيقة يخافون من الكلام، والذين يملكون القدرة على الاعتراض يفضلون السلامة، بينما يستفيد الفاسد من هذا الصمت ليزداد نفوذًا.
إن إنقاذ المؤسسات يبدأ بإعادة الاعتبار إلى قاعدة لا يجوز التنازل عنها: لا أحد أكبر من المؤسسة، ولا نفوذ يعلو على الحقيقة، ولا موقع يمنح صاحبه حصانة من المساءلة.
لكن المطلوب ليس الاكتفاء بالشعارات، بل يجب الانتقال فورًا إلى إجراءات عملية: حماية المبلّغين والشهود، حفظ الوثائق ومنع العبث بها، تشكيل لجان تحقيق مستقلة لا تخضع لنفوذ المتهمين، فرض الشفافية المالية والإدارية، ضبط تضارب المصالح، تحديد الصلاحيات، وإعلان نتائج التحقيقات بوضوح. كما ينبغي إبعاد كل من تدور حوله شبهات جدية عن أي موقع يسمح له بالتأثير في التحقيق أو الضغط على الشهود إلى حين ظهور الحقيقة.
وعلى مجالس الإدارة والهيئات الرقابية والعاملين أن يدركوا أن الصمت أمام الفساد ليس حيادًا، وأن حماية الفاسد بحجة حماية سمعة المؤسسة تؤدي في النهاية إلى تدمير السمعة والمؤسسة معًا. فالسمعة لا تُحمى بإخفاء الحقيقة، بل بمواجهتها وتصحيح الخطأ ومحاسبة المسؤول عنه.
المطلوب أيضًا بناء ثقافة مؤسسية تجعل الاعتراض حقًا، والنقد أداة إصلاح، والمساءلة قاعدة دائمة لا إجراءً استثنائيًا. ويجب أن يعرف كل مسؤول، مهما علا منصبه، أن المؤسسة ستستمر من بعده، وأن سلطته مؤقتة، بينما قيم المؤسسة وتاريخها وحقوق العاملين فيها ليست ملكًا له.
لقد آن الأوان لكسر دوائر الخوف والتبعية والصمت. على أصحاب الضمائر داخل المؤسسات أن يتضامنوا، وأن يوثقوا، وأن يتكلموا، وأن يرفضوا المشاركة في تزوير الوقائع أو تبرير الفساد. وعلى الهيئات المسؤولة أن تتحرك قبل أن يصبح الإصلاح مستحيلًا.
فالمؤسسات لا تنهار فقط عندما يدخلها الفساد، بل عندما يتوقف الشرفاء عن مقاومته. وإنقاذ المؤسسة يبدأ في اللحظة التي يقرر فيها أبناؤها أن الحقيقة أهم من الأشخاص، وأن الكرامة أهم من الخوف، وأن بقاء المؤسسة أهم من بقاء أي فاسد مهما بلغ نفوذه.
هل تعلمون ما هو السلاح الأكثر مضاءً بيد من يستعمروننا وينتهكون كرامتنا وينهبون مواردنا؟
انه الفساد!
هنا يتبادر الى الذهن السؤال البديهي: الم يتعلم الناس ان معرفة الحق تحررهم؟ الا يستذكر البشر مشهد السيد المتجسد، حاملا سوطه في وجه تجار الهيكل؟
يبدو ان ذاكرة الكثيرين قد ضعفت وان ارادتهم قد وهنت.
رحمتك يا رب الاكوان!