بشارة مريم ووحدة وطن
ألقى الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس هذه الكلمة في لقاء الصلاة والدعاء المسيحي-الإسلامي من أجل السلام في لبنان والمنطقة والّذي أُقيم لمناسبة عيد البشارة، من تنظيم مجلس كنائس الشرق الأوسط واللّجنة الأسقفيّة للحوار المسيحي-الإسلامي المنبثقة عن مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وذلك يوم الأربعاء 25 آذار/ مارس 2026، في قاعة كاتدرائيّة سيّدة البشارة للسريان الكاثوليك، المتحف - بيروت.
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
وهل اجمل من البشارة؟
واية بشارة؟
تلك التي تنبينا بمجيء الطفل، اي طفل، فكيف اذا كان طفلا دهرياً، موعوداً منذ الازل، جاء من اجل تخليص الخليقة من ﺁثامها ومعاصيها؟
هو الذي اتى فاتحاً ذراعيه ليحتضن الانسانية ويضمها الى صدره العاري لكي يرد عنها اعمال الابالسة.
هي البشارة التي تجمع اهل الكتب، محبي الرب، والممتنين له على هبة الحياة، وكل ما هو على الارض.
"مجد مريم يتعظم في المشارق والغروب"، تبدأ الترنيمة، ثم تتابع "كرموها عظموها ملكوها في القلوب"، كما تتابع الترنيمة "وهي قالت حين نالت فلتطوبني الشعوب" وفي مكان ﺁخر من الترنيمة يرد ان "قد رآها واصطفاها رب كل العالمين". نعم هي خير نساء العالمين. كذلك ورد في القأن الكريم "وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ".
مكانتها لا تساويها مكانة عند الشعوب. هي الام التي احتضنت تجسد المخلص ورعته وربّته وحضّرته كي يقوم بالرسالة التي من اجلها تجسد.
كل ام في العالم تتوق لان تتماهى مع مريم، وكل انسان يتوق ان تكون امه او اخته او ام اولاده على صورة مريم. وما اكثر الفتيات اللواتي تحملن اسم مريم.
لقد كان يوما مباركا حين اجتمعنا، اللجنة الوطنية الاسلامية المسيحية للحوار، الى رئاسة الوزراء وتوافقنا على اعتبار يوم البشارة مناسبة وطنية، وبقي كذلك لعدة سنوات، الى حين جرى تحويله الى عيد وطني شامل.
ان اللبنانيين، وهذا ينطبق ايضا على شعوب الجوار، هم في بحث دائم عما يجمعهم ويشكل حيّزا مشتركا بين مختلف مكوناتهم، مقابل كل محاولات التجزءة والتفتيت التي ما زالت تستهدفنا منذ عقود. هكذا وجد اللبنانيون في مريم وجها توحيديا، ووجدوا في عيد البشارة مجال الفة ووئام.
لا بد للباحث في مجال علوم الانسان ان يوقن عمق الروابط الثقافية التي تجمع مختلف اطياف الشعب في لبنان والشرق الاوسط، وجزء كبير من هذه الروابط قائم على المعتقدات الدينية ومشتقاتها الاجتماعية-الثقافية، وهذا ما حدا بنا، في مجلس كنائس الشرق الاوسط ان نطلق برنامجاً اسميناه "المساحات الدينية المشتركة في الشرق الاوسط" وقد وصلنا الى نهاية التحضيرات وسوف يرى الجميع انتاجه في القريب العاجل.
كذلك اطلقنا برنامجاً اسميناه "محاربة خطاب الكراهية والابلسة" ونحن بصدد تحضير المؤتمر الاول الذي سوف يعقد في مصر في نهاية فترة الصيف وسوف نعلن عن التفاصيل في حينها.
كل ذلك، والعديد من الانشطة المشابهة يأتي ضمن برامج الحوار والتماسك الاجتماعي التي ننفذها في المجلس وبالتنسيق مع الكنائس الاعضاء وبعض الهيئات الاهلية ومؤسسات المجتمع المدني.
لقاؤنا اليوم يأتي بالشراكة مع اللجنة الاسقفية للحوار المسيحي-الاسلامي، المنبثقة عن مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان، والناشطة جدا في هذا المجال، وهو اللقاء المشترك الثاني على التوالي، وننظر الى جعل هذا اللقاء تقليدا سنويا لما للمكان من رمزية وللكنيسة السريانية من دور تاريخي، ولما للقائمين على اللجنة من باع طويل في مجال الحوار، ولما للمجلس من دور ايماني ووطني.
لا بد لنا من ان نؤكد ونثمن الشراكة الكاملة في هذا المجال مع القيادات الاسلامية في لبنان، والايجابية التي تتسم بها نشاطاتنا المشتركة. لو سُمح لي ان اعبّر عن شعوري كعامل في الحوار منذ ريعان شبابي، لقلت اني اشعر اننا في بيتنا لدى زيارتنا لاي من القيادات الدينية في لبنان، نظرا لعقلها النير، وانفتاحها، وحفاوتها، واصرارها على انجاح الحوار. انها لبركة لا بد ان نبني عليها لبنان الغد، حيث يشكل الدين الارضية الصلبة للتماسك الاجتماعي. اضطرادا، لا بد لي ان الفت النظر الى ان تجربتا هذه في لبنان تتشابه مع تجربتنا في مصر حيث ندخل في مشاريع حوار بالتنسيق مع الكنائس في مصر.
ان الحوار هو قدر الانسانية، وهو قائم على الكلمة، التي في البدء كانت، ولا سبيل للتفاعل بين الناس في المجتمعات المتنوعة، والتي سوف تزداد تنوعا مع الزمن، الا عبر الحوار الذي يقرّب القلوب والمفاهيم والقيم، وهذا التقريب يشكل الضمان الاساس للسلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي.
لا بد لنا ان نؤكد هنا، ان الحوار هو في مفهومنا في المجلس، غاية ووسيلة في ﺁن، اذ ان ارساء ثقافة الحوار هو اهم من الوصول الى نتائج ﺁنية عبر الحوار، وقد تتغير النتائج عبر تغيّر الواقع الاجتماعي، اما قيم الحوار فهي ثابتة وهي الضمان للوصول الى نتائج تجمع الناس حولها.
رغم الحرب الضروس التي نتعرض لها، اردنا المضي قدما بهذا اللقاء من اجل ابقاء الفتيل مشتعلا، كما يقول الرسول بولس، واعتبرنا ان لقاء الصلاة والدعاء هذا لا بد له ان يبعث الرجاء في النفوس في انتظار ايام افضل.
مريم وبشارتها هي عنصر وحدة بين اللبنانيين، فلا بد لنا من ان نحيا هذه البشارة معا ونثمّرها، وذلك لكي نقلص المساحات الحرام بين مكونات الشعب اللبناني، ونزرع هذه المساحات، اذا وُجدت، محبة وإلفة تؤكد وحدتنا منذ ما قبل التاريخ الجلي، وهذه الوحة لا تزيدها المعتقدات الدينية الا رسوخا.
اليك الورد يا مريم، نهديه مع محبتنا واحترامنا، ومع اعتبارنا اياكِ رمزا لوحدتنا.
اليكم بشارة مريم ايها اللبنانيون، نهديها لكم موئل وئام ومحبة، فإحيوا بها.