ذكرى الإبادة :جرحٌ في جسد الإنسانية ونداءٌ للضمير العالمي
بقلم سيادة المطران كريكور باديشاه
النائب البطريركي على أبرشية بيروت للأرمن الكاثوليك
في الذكرى الحادية عشرة بعد المئة (١١١) للإبادة الأرمنية، لا نجتمع لنبش القبور أو استجرار الألم، بل لنستنهض الضمائر الحية. إن ما حدث عام ١٩١٥ لم يكن واقعةً عابرة طواها الزمن، بل هو "جرحٌ نازف" في جسد البشرية جمعاء.
هكذا وصف مثلث الرحمات قداسة البابا فرنسيس هذه المأساة، في خطابه التاريخي الذي ألقاه في بازيليك مار بطرس إبّان الذكرى المئوية الأولى، حين وضع العالم بأسره أمام مسؤولياته الأخلاقية، مؤكداً أن "إخفاء الشر يشبه ترك الجرح ينزف دون مداواته". واليوم، وبعد مرور ١١١ عاماً، لا يزال هذا الجرح عُرضةً للالتهاب في كل زمان ومكان ما لم يُعالج ببلسم الحقيقة والعدالة الكاملة.
إن قراءة الإبادة اليوم هي فعل مقاومة ضد النسيان. حين سأل أدولف هيتلر عام ١٩٣٩ بمكر: "من يذكر اليوم إبادة الأرمن؟"، كان صمت العالم آنذاك هو "الضوء الأخضر" لمحارق ومجازر لاحقة. إن كل مجرم يُطوى ملفه بلا حساب، يظهر مجدداً بأسلوب مختلف، وهذا ما شهدناه بالأمس القريب في "أرتساخ" (ناغورني كاراباخ)؛ حيث أُعيدت كتابة فصول المأساة بنبض القهر والجوع. إن تهجير ١٣٠ ألف أرمني قسراً بعد حصارٍ استهدف تجويعهم، ليس إلا نسخة عصرية من قوافل الموت القديمة. إن وقوف المجتمع الدولي صامتاً أمام اقتلاع الإنسان من جذوره يثبت أن الصمت ليس حياداً، بل هو مشاركة في الجريمة وتزكية لسياسة محو الهوية.
لم يكن الأرمن وحدهم في طريق الجلجلة، فقد كان جبل لبنان شريكاً في المعاناة. فبين عامي ١٩١٤ و١٩١٨، استُخدم التجويع سلاحاً ضد اللبنانيين بلا رحمة. وعندما استنجد الناس، كان ردّ المسؤول التركي منيف بك بقسوة وتبجح: "لا توجد مجاعة في لبنان ما دام اللبنانيون لا يأكل بعضهم بعضاً". إن هذا الحقد يثبت أن الوجع واحد والمجرم واحد، وأن قضيتنا هي قضية كل إنسان يرفض الظلم والاندثار.
كثيراً ما يُطرح سؤال يحمل التباساً: "ألستم أبناء المسيح الذي علّمكم الصفح؟ فلماذا لا تصفحون؟" إجابتنا هي شهادة حق: نحن تلاميذ ذاك الذي قال على الصليب: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا ٢٣: ٣٤). ونحن نؤمن أن منطق الثأر دائرة مغلقة لا تُنتج إلا العنف. ولكن، في المفهوم المسيحي، المسامحة ليست "شيكاً على بياض" يُمنح للظلم، بل هي مسار روحي وأخلاقي يرتكز على ثلاث ركائز:
١. رفض "الزهايمر التاريخي": نسيان الماضي ليس غفراناً بل هو تخلٍّ عن الهوية. الغفران هو "تنقية للذاكرة" كي لا تنهش آفات الماضي حاضرنا. إن قول السيد المسيح للخاطئ: "اذهب ولا تعد بعد الآن إلى الخطيئة" (يوحنا ٨: ١١)، هو شرطٌ وقائي يفرض الاعتراف بالماضي لضمان سلامة المستقبل.
٢ . الحقيقة شرط التوبة: لا يُمنح الغفران في المسيحية إلا للتائب الذي يقرّ بذنبه بصدق، كـ "الابن الضال" و"العشار". فالمسامحة دون اعتراف الجاني بإثمه هي طمس للحقيقة ومشاركة في الخطيئة. نحن لا نكره الأشخاص، بل نرفض "الخطيئة" التي ترفض الحقيقة.
٣. العدالة روح السلام: المسيحية لا تبارك الذل أو الخنوع، بل ترتكز على العدالة التي تفرض التكفير عن الذنب والتعويض عن الظلم. تماماً كما فعل "زكا التائب" حين قال: "إن كنتُ ظلمتُ أحداً شيئاً، أردّه أربعة أضعاف" (لوقا ١٩: ٨). التوبة الحقيقية تقتضي بالضرورة إعادة الحق المغتصب إلى أصحابه. نحن دعاة سلام، ولسنا دعاة استسلام.
إن مرور الأعوام وتراكم العقود فوق جراحنا ليس إعلاناً بالنسيان، بل هو دعوة لتعميق الجذور وتوثيق عرى التضامن. واهمٌ من يظن أن الزمن يطوي القضايا العادلة؛ فالحق الذي يسكن الضمير لا يشيخ، والذكرى اليوم ليست للبكاء، بل هي استنهاض لوحدة المصير التي تجمعنا فوق تراب هذا الوطن.
عندما نقرأ تاريخ تلك الأحداث الرهيبة، تعتصر قلوبنا بالألم، لكننا نشعر في الوقت نفسه بفخرٍ عظيم. إنها دروسٌ بليغة صاغها نبض الروح وأُلقيت من "منبر الموت"؛ ذلك المكان الذي لا يعرف الكذب، ليُخبرنا أن هناك قيمتين لا تقبلان المساومة: الإيمان والوطن.
الوطنية ليست شعارات، بل هي فعل حياة وممارسة يومية. إن الأمة تحيا وتستمر حين تورث أبناءها تراثها، ولغتها، وقيمها بهدوء وإصرار. وهنا تبرز أهمية الكلمة الحرة والصحافة، التي سماها البابا بيوس الحادي عشر "سلاح الحقيقة (Arma Veritatis) "؛ فهي الحارس اليقظ الذي يحمي تاريخنا من التزوير، ويصون هويتنا من الضياع.
إننا كشعب أرمني، نملك شجاعة "الغفران" لأنها نابعة من إيماننا العميق، لكننا نؤمن في الوقت نفسه أن المسامحة لا تعني أبداً التنازل عن الحق. فالمسامحة التي لا تقابلها توبة من الجاني، ولا اعتراف بالجريمة، ولا إعادة للحقوق، ليست إلا خيانة لذاكرة شهدائنا.
إن رسالتنا اليوم إلى العالم ليست نحيباً على ماض مضى، بل هي دعوة ليقظة الروح. نقول للإنسانية جمعاء: إن جرحنا ليس شأناً أرمنياً فحسب، بل هو اختبار لقيمة العدالة في كوننا. لا يستقيم بناء الحضارة على رمال الصمت، ولا يصح السلام إذا كان ثمنه نسيان الضحية.
إننا نحمل صليبنا بكبرياء، لا لنبحث عن شفقة، بل لنكون شهوداً للنور في وجه الظلام. رسالتنا أن المحبة التي نادى بها المسيح تقتضي قول الحق، وأن الأمانة لدماء الشهداء تعني أن نبقى صوت من لا صوت لهم . ليعلم العالم أن إرادة الحياة فينا أقوى من المقاصل، وأن قضيتنا ستبقى نابضة، تؤرق ضمائر الظالمين، وتمنح الأمل لكل المظلومين، حتى يتلاقى الحق والرحمة في عناق أبدي.