كلمة الأمين العام المشارك لمجلس كنائس الشرق الأوسط الأب د. نقولا بسترس

في حفل جمعيّة المرسلين البولسيّين في لبنان لإطلاق كتابَي المجمع الفاتيكاني الثاني والفهرس التحليلي، وتكريم العميد الأب جورج باليكي البولسي

تجدون في التّالي كلمة الأب د. نقولا بسترس، مدير معهد القدّيس بولس للفلسفة واللّاهوت في حريصا والأمين العام المشارك لمجلس كنائس الشرق الأوسط، خلال حفل جمعيّة المرسلين البولسيّين في لبنان لإطلاق كتابَي المجمع الفاتيكاني الثاني والفهرس التحليلي، وتكريم عميد الجمعيّة الأب جورج باليكي البولسي، وذلك يوم السبت 23 أيّار/ مايو 2026، في كنيسة القدّيسَين قسطنطين وهيلانة – جونية، لبنان.

صاحب الغبطة البطريرك يوسف الكلّي الطوبى بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيّين الكاثوليك يمثّله صاحب السيادة المتروبوليت كيرلّس سليم بسترس الجزيل الوقار، صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بطريرك أنطاكية للكنيسة المارونية يمثّله صاحب السيادة المطران الياس نصّار الجزيل الوقار، أصحابَ السِّيادَةِ المَطارِنَةِ الأجِلّاءِ، حَضَراتِ الرُّؤَساءِ العامِّينَ والرَّئيساتِ العامّاتِ، حضرة الدكتور ميشال عبس المحترم أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط، حَضراتِ الآباءِ الأجِلّاءِ، والأخَواتِ الفاضِلاتِ،

أيُّها الحَفلُ الكَريمُ،

طابَ لِقاؤُكُم، وازدانَ هذا المَساءُ بِحُضورِكُم، في مُناسَبَةٍ لا نَحتَفِلُ فيها بِصُدورِ كِتابَيْنِ وحَسْب، بَل بِمَسيرَةِ فِكرٍ، ورِسالَةٍ كنسيّةٍ، وتَعَبِ أجيالٍ آمَنَتْ بِأَنَّ الكَلِمَةَ، إذا صيغَتْ بِأمانَةٍ، وصُقِلَتْ بِالعِلمِ، وحُمِلَتْ بِروحِ الخِدمَةِ، تُصبِحُ مِدماكَ بِنَاءٍ في الكَنيسَةِ والثَّقافَةِ والمُجتَمَعِ.

نَجتَمِعُ اليَومَ حَولَ المَجمَعِ الفاتيكانيِّ الثّاني، هذا الحَدَثِ الكَنَسيِّ الكَبيرِ الَّذي لَم يَكُنْ مُجَرَّدَ اجتِماعٍ لِآباءِ الكَنيسَةِ وأساقِفَتِها، بَل زَمَنًا مِن أزمِنَةِ الرّوحِ القُدُسِ، أطَلَّتْ فيهِ الكَنيسَةُ على ذاتِها وعلى العالَمِ بِنَظرَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، مُتَأَمِّلَةً سِرَّها ورِسالَتَها، ومُصغِيَةً إلى أسئِلَةِ الإنسانِ المُعاصِرِ، وأفراحِهِ، وقَلَقِهِ، وآمالِهِ، وإلى جِراحِهِ أيضًا.

ولَعَلَّ مِن أجْمَلِ ما يُمكِنُ أن يُقالَ في هذِهِ المُناسَبَةِ، أَنَّ الكَنيسَةَ لا تَحفَظُ تُراثَها بِالحِجارَةِ وَحدَها، بَل بِالكَلِمَةِ أيضًا؛ بِالكَلِمَةِ الَّتي تُترجَمُ، وتُنقَلُ، وتُفَسَّرُ، وتُصاغُ بِلُغَةٍ حَيَّةٍ، حتّى تَبقى حَيَّةً في ضَميرِ المُؤمِنينَ وعُقولِهِم. فَالنَّصُّ الكَنَسيُّ، مَهْما بَلَغَتْ أَهَمِّيَّتُهُ، يَبقى أسيرَ اللُّغَةِ إنْ لَم يَجِدْ مَن يَعبُرُ بِهِ إلى النّاسِ، ومَن يَحمِلُهُ إلى الأجيالِ.

مِن هُنا، تَأتي أَهَمِّيَّةُ هذا العَمَلِ الَّذي نَحتَفِلُ اليَومَ بِتَقديمِهِ.

لَقَد بَدَأَتِ الحِكايَةُ، عَرَبِيًّا، بُعيدَ اختِتامِ المَجمَعِ الفاتيكانيِّ الثّاني، عِندَما بادَرَ الرّاحِلُ الأبُ جورجُ الفاخوري البولُسيُّ إلى نَقلِ بَعضِ نُصوصِ المَجمَعِ وتَقديمِها إلى قُرّاءِ مَجلَّةِ “المسرّة” سَنَةَ 1966، مُساهِمًا بِذلكَ في فَتحِ نافِذَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُبَكِّرَةٍ على فِكرِ المَجمَعِ وروحِهِ. غَيرَ أَنَّ النُّصوصَ الكامِلَةَ لَم تَكُنْ قَد تُرجِمَتْ بَعدُ، فَحَمَلَ مَعهَدُ القِدّيسِ بولُسَ هذِهِ المَسؤوليَّةَ، وكَلَّفَ الأبَ حنّا الفاخوري، رَحِمَهُ اللهُ، بِتَرجَمَةِ الدَّساتيرِ والقَراراتِ والبَياناتِ المَجمَعِيَّةِ. فَجاءَتْ طَبعَةُ سَنَةِ 1992 عَمَلًا رَصينًا وجَميلًا، وقد امتازَتْ بِلُغَتِها العَرَبِيَّةِ الرَّفيعَةِ، وبِأُسلوبِها الأدَبِيِّ المَتينِ، فَدَخَلَتْ إلى المَكتَبَةِ العَرَبِيَّةِ كَمَرجِعٍ أساسٍ لِكُلِّ دارِسٍ ولاهوتِيٍّ ومُهتَمٍّ.

إلّا أَنَّ العَمَلَ العِلمِيَّ، مَهْما بَلَغَ مِنَ الجَودَةِ، يَبقى دائِمًا قابِلًا لِلمُراجَعَةِ والتَّنقيحِ والتَّطويرِ. وقَد تَبَيَّنَ مَعَ الوَقتِ أَنَّ التَّرجَمَةَ، على جَمالِها، لَم تَعتَمِدْ مُباشَرَةً على النَّصِّ اللّاتينِيِّ الرَّسمِيِّ، الأمرُ الَّذي أدّى إلى فَواتِ بَعضِ الدِّقَّةِ في نَقلِ عَدَدٍ مِنَ المُصطَلَحاتِ اللّاهوتِيَّةِ والكَنَسِيَّةِ.

مِن هُنا، جاءَتِ المُبادَرَةُ الجَديدَةُ، بِجُهدٍ كَبيرٍ مِن سِيادَةِ المُطرانِ يوسفَ كَلّاس، وبِمُتابَعَةٍ ورُؤيَةٍ مِنَ الأبِ كابي هاشِم، لإعادَةِ النَّظَرِ في التَّرجَمَةِ كامِلَةً، بِالعَودَةِ إلى الأصْلِ اللّاتينِيِّ الرَّسمِيِّ، حِفاظًا على أمانَةِ النَّصِّ ودِقَّتِهِ اللّاهوتِيَّةِ. وقَدِ استَمَرَّ هذا العَمَلُ أربَعَ سَنَواتٍ مِنَ الجُهدِ والتَّدقيقِ والمُقارَنَةِ والمُراجَعَةِ، إلى أَنْ صَدَرَتْ طَبعَةُ سَنَةِ 2023، الَّتي نَحتَفِلُ اليَومَ بِتَقديمِها، طَبعَةً بَهِيَّةً جَمَعَتْ بَينَ أمانَةِ المَعنى وجَمالِ العِبارَةِ، فَحافَظَتْ على اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الرّاقِيَةِ الَّتي صاغَها الأبُ حنّا الفاخوري، وقَوَّمَتْ، في الوَقتِ عَينِهِ، ما كانَ قَد وَجَبَ تَقويمُهُ عِلمِيًّا ولاهوتِيًّا.

ثُمَّ جاءَ مَشروعُ الفِهرِسِ التَّحليلِيِّ لِلمَجمَعِ الفاتيكانيِّ الثّاني، وهوَ مَشروعٌ لا تَقِلُّ أَهَمِّيَّتُهُ عَنِ النُّصوصِ نَفسِها، لأنَّ الفِهرِسَ لَيسَ مُجَرَّدَ أداةٍ تِقنِيَّةٍ، بَل مِفتاحٌ لِلدُّخولِ إلى عالَمِ المَجمَعِ وفِكرِهِ ولاهوتِهِ. وقَد عُهِدَتْ تَرجَمَةُ هذا العَمَلِ إلى الأبوَينِ ناجي إدلبي وخليل شلفون، مَشكورَينِ على جُهودِهِما، غَيرَ أَنَّ الحاجَةَ بَرَزَتْ أيضًا إلى مُراجَعَةٍ دَقيقَةٍ على ضَوءِ النَّصِّ الأصْلِيِّ. فَتَوَلّى الأبُ جورجُ باليكي هذِهِ المَهَمَّةَ المُضنِيَةَ، وعَمِلَ طَوالَ ما يُقارِبُ السَّنَةَ في تَنقيحِ التَّرجَمَةِ ومُراجَعَتِها وتَدقيقِها، بِغَيرَةِ الباحِثِ وأمانَةِ العالِمِ، حتّى خَرَجَ العَمَلُ بِالصّورَةِ العِلمِيَّةِ الَّتي نَستَقبِلُهُ بِها اليَومَ.

أيُّها الأحِبَّةُ،

إنَّنا، وفي زَمَنٍ تَتَسارَعُ فيهِ المَعارِفُ وتَتَبَدَّلُ فيهِ المَرجِعِيّاتُ، أحوَجُ ما نَكونُ إلى إعادَةِ الاعتِبارِ إلى الفِكرِ اللّاهوتِيِّ، لا بِوَصفِهِ تَرَفًا ثَقافِيًّا، ولا اختِصاصًا مُنغَلِقًا على جَماعَةٍ مَحدودَةٍ، بَل بِوَصفِهِ سُؤالًا إنسانِيًّا يَمَسُّ الإنسانَ في عُمقِ كِيانِهِ، لأنَّهُ يَتناوَلُ مَسألَةَ المَعنى، والحَقيقَةِ، والمُطلَقِ، واللهِ.

فاللّاهوتُ، في جَوهَرِهِ، لَيسَ حِراسَةً جامِدَةً لِعِباراتِ الماضي، بَل مَسيرَةُ عَقلٍ مُؤمِنٍ يَبحَثُ عَنِ الفَهمِ، وإيمانٌ حَيٌّ يَسعى إلى مُحاوَرَةِ التّاريخِ والإنسانِ والثَّقافَةِ. ومِن هُنا، جاءَتْ أَهَمِّيَّةُ المَجمَعِ الفاتيكانيِّ الثّاني، الَّذي نَقَلَ اللّاهوتَ مِن دائِرَةِ التَّكرارِ إلى أُفُقِ الحِوارِ، ومِن مَنطِقِ الانغِلاقِ إلى دينامِيَّةِ اللِّقاءِ، ومِن لاهوتٍ يَخشى العالَمَ إلى لاهوتٍ يُصغي إلى أسئِلَةِ العالَمِ وآلامِهِ وتَحَوُّلاتِهِ.

لَقَد أدرَكَ آباءُ المَجمَعِ أَنَّ الكَنيسَةَ لا تَستَطيعُ أَنْ تُكَلِّمَ الإنسانَ المُعاصِرَ بِلُغَةِ الأمسِ وَحدَها، ولا أَنْ تُواجِهَ تَحَدِّياتِ الحَداثَةِ بِالتَّقَوقُعِ، بَل بِالانفِتاحِ الواعي والمَسؤولِ؛ لِذلِكَ دَعا المَجمَعُ إلى لاهوتٍ حَيٍّ، يَتَغَذّى مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، ومِنَ اللِّيتورجيا، ومِنَ التُّراثِ، لكِنَّهُ يَنفَتِحُ أيضًا على العُلومِ الإنسانِيَّةِ، وعلى الفَلسَفَةِ، وعلى التَّحَوُّلاتِ الاجتِماعِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ، دونَ خَوفٍ أوِ ارتِيابٍ.

ومِن هُنا أيضًا نَفهَمُ أَهَمِّيَّةَ الجامِعَةِ والمَعاهِدِ اللّاهوتِيَّةِ. فالجامِعَةُ لَيسَتْ مُجَرَّدَ مَكانٍ لِتَلقينِ المَعلوماتِ، بَل فَضاءٌ لِلحُرِّيَّةِ الفِكرِيَّةِ، ولِلمُساءَلَةِ العِلمِيَّةِ، ولِصِراعِ التَّأويلاتِ الَّذي يَقودُ إلى نُضوجِ الحَقيقَةِ. وفي هذا الفَضاءِ، يُصبِحُ اللّاهوتُ فِكرًا نَقدِيًّا ومَسؤولًا، لا يَكتَفي بِتَكرارِ الأجوبَةِ الجاهِزَةِ، بَل يَجرُؤُ على الإصغاءِ، وعلى البَحثِ، وعلى التَّمييزِ، وعلى اكتِشافِ حُضورِ اللهِ حتّى في أسئِلَةِ الإنسانِ وقَلَقِهِ وصَمتِهِ.

إنَّ أخطَرَ ما يُمكِنُ أَنْ يُصيبَ الفِكرَ الدِّينِيَّ هو أَنْ يَتَحَوَّلَ إلى خِطابٍ مُغلَقٍ يَخافُ السُّؤالَ. أمّا اللّاهوتُ الحَقيقِيُّ، فَهُوَ ذاكَ الَّذي يَزدادُ إيمانًا كُلَّما ازدادَ تَواضُعًا أمامَ سِرِّ اللهِ والإنسانِ.

لِهذا كُلِّهِ، فإنَّ إصدارَ نُصوصِ المَجمَعِ الفاتيكانيِّ الثّاني بِالعَرَبِيَّةِ، بِهذِهِ الدِّقَّةِ العِلمِيَّةِ واللُّغَةِ الرَّفيعَةِ، لَيسَ مُجَرَّدَ إنجازٍ أكاديمِيٍّ أو عَمَلٍ في حَقلِ النَّشرِ، بَل هُوَ مُساهَمَةٌ في بِناءِ ثَقافَةٍ لاهوتِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ جادَّةٍ، تُؤمِنُ بِأَنَّ الإيمانَ لا يَخافُ العَقلَ، وأَنَّ الكَنيسَةَ لا تَخشى البَحثَ العِلمِيَّ، وأَنَّ الحَقيقَةَ تَزدادُ إشراقًا كُلَّما دَخَلَتْ في حِوارٍ صادِقٍ مَعَ الإنسانِ والتّاريخِ.

خِتامًا، وبِاسمِ مَعهَدِ القِدّيسِ بولُس، والمكتبةِ البولسيّة، أوَدُّ أَنْ أُوَجِّهَ كَلِمَةَ شُكرٍ وامتِنانٍ لِكُلِّ مَن ساهَمَ في إصدارِ هذَينِ العَمَلَينِ الكَبيرَينِ: سِيادَةِ المُطرانِ يوسفَ كَلّاسَ الجَزيلِ الوَقارِ، وقَدس الأبِ كابي هاشِمَ الجَزيلِ الاحتِرامِ، وإلى كُلِّ يَدٍ تَعِبَتْ بِصَمتٍ كَي تَصِلَ هذِهِ الأعمالُ إلى القارِئِ العَرَبِيِّ بِهذا المُستَوى العِلمِيِّ واللُّغَوِيِّ الرَّفيعِ.

كما نَخُصُّ بِتَحيَّةِ وَفاءٍ وتَقديرٍ الأبَ جورجَ باليكي، الَّذي نُكَرِّمُهُ اليَومَ أيضًا، عُربونَ امتِنانٍ لِمَسيرَةٍ طَويلَةٍ مِنَ الخِدمَةِ الكَهنوتِيَّةِ والرَّسولِيَّةِ والعِلمِيَّةِ في الجَمعِيَّةِ البولُسِيَّةِ والكَنيسَةِ.

نَسأَلُ اللهَ أَنْ تَبقى الكَلِمَةُ المَنقولَةُ بِأمانَةٍ نورًا لِلعُقولِ، وغِذاءً لِلأرواحِ، وجِسرًا بَينَ تُراثِ الكَنيسَةِ والإنسانِ المُعاصِرِ، وأَنْ يَبقى المَجمَعُ الفاتيكانيُّ الثّاني حَدَثًا حَيًّا، لا ذِكرى مَحفوظَةً في الكُتُبِ، بَل روحًا مُتَجَدِّدَةً تَدعو الكَنيسَةَ دومًا إلى الإصغاءِ، والتَّجَدُّدِ، والشَّهادَةِ.

أشكر لكم جميعًا، أصحاب الغبطة والسيادة والآباء والأحبّة، حضورَكم الكريم ومشاركَتَكم هذه الأمسية، التي يزداد معناها بوجوهكم ومحبّتكم واهتمامكم بالفكر اللاهوتيّ ورسالة الكنيسة الثقافيّة.

وأفسح الآن في المجال بكلّ سرور للأب كابي هاشم، الذي حمل مع سيادة المطران يوسف كلّاس عبء هذا العمل العلميّ الدقيق سنواتٍ طويلة، ليحدّثَنا عن مسيرة المجمع الفاتيكاني الثاني وأهميّته في عالمنا اليوم. وشكرًا لكم.

Previous
Previous

جمعيّة المرسلين البولسيّين في لبنان تطلق كتابَي المجمع الفاتيكاني الثاني والفهرس التحليلي وتكرّم العميد الأب جورج باليكي البولسي

Next
Next

فيديو - برنامج "آفاق مسكونية": الحلقة 30