القديسة رفقا والتماسك الاجتماعي
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
تُعدّ القديسة رفقا واحدة من القديسات التي طبعت هوية الناس في لبنان والشرق، ليس فقط بسبب حياتها الروحية المميزة، بل أيضًا بسبب تأثيرها الاجتماعي والثقافي العميق في المجتمع. يمكننا اعتبار شخصية القديسة رفقا نموذجًا للقيم الاجتماعية والدينية التي تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ الهوية الجماعية.
هذه المباركة التي وُلدت عام 1832 في قرية حملايا في جبل لبنان، عاشت حياة مليئة بالتحديات والمعاناة. فقدت والدتها في سن مبكرة، وعاشت ظروفًا اقتصادية واجتماعية صعبة، ثم انضمت إلى الحياة الرهبانية حيث كرّست نفسها للصلاة والخدمة. وتُعرف رفقا بشكل خاص بقبولها للمرض والألم بصبر وإيمان، حتى أصبحت رمزًا للتضحية والاحتمال.
تمثل القديسة رفقا نموذجًا للقيم التي ينهج بها المجتمع المشرقي، مثل الصبر، والتضامن، والإيمان، والايثار. فالمجتمعات تحتاج إلى شخصيات رمزية تجسد المبادئ الأخلاقية التي تسهم في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
من خلال سيرتها، أصبحت رفقا مصدر إلهام للكثير من المؤمنين الذين يواجهون ظروفًا صعبة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الصحي.
كذلك تؤدي القديسة رفقا دورًا مهمًا في تعزيز الهوية الدينية والثقافية لدى فئات واسعة من المؤمنين. فالأماكن المرتبطة بحياتها، ولا سيما دير مار يوسف جربتا حيث رقد جسدها، أصبحت مراكز للحج الديني تستقطب آلاف الزوار سنويًا. ويُسهم هذا النشاط الديني في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأفراد والجماعات المختلفة، حيث يجتمع الناس حول قيم ومعتقدات مشتركة، مما يعزز الشعور بالانتماء إلى مجتمع واحد.
إضافة الى ذلك، تُعدّ القديسة رفقا مثالًا على الدور الذي تؤديه الشخصيات المقدسة في بناء التضامن الاجتماعي اذ أن الدين يسهم في توحيد أفراد المجتمع من خلال الرموز والممارسات المشتركة. وفي هذا الإطار، تشكل رفقا رمزًا دينيًا يوحّد المؤمنين ويعزز التضامن بينهم.
كذلك، تسهم سيرتها في نشر ثقافة المساعدة والتعاطف مع المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة. فكثير من المؤسسات والجمعيات الخيرية تستلهم من حياتها قيم الرحمة والخدمة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على العمل الاجتماعي والتطوعي في مجتمعاتنا.
في ظلّ التغيرات السريعة التي يشهدها العالم المعاصر، وما يرافقها من ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية، تبرز شخصية رفقا كنموذج إنساني وروحي يحمل عبراً يمكن أن تساعد الإنسان المعاصر على مواجهة تحديات الحياة. فالمجتمع الحديث يتميز بالإيقاع السريع، والتنافس المستمر، والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، مما يؤدي أحيانًا إلى الشعور بالقلق والعزلة وفقدان المعنى.
القديسة رفقا هي ايضا رمز للحضور المسيحي الأصيل في لبنان والمشرق الانطاكي، وشهادة على قدرة هذا الحضور على الاستمرار والتجدد رغم الصعوبات. ومن خلال حياتها ورسالتها، تواصل إلهام المؤمنين وتعزيز ارتباطهم بإيمانهم وتراثهم وثقافتهم الانطاكية.
أرضنا أرض الشهداء، والشهداء الأحياء، والقديسين.
أرضنا أرض الشهداء فقد روى دمهم كل شبر فيها.
أرضنا أرض الشهداء الأحياء الذين يفنون حياتهم من اجل ان تكون لنا حياة أفضل.
أرضنا أرض القديسين، وفاتحتهم القديس إسطفانوس الشهيد.
من شربل الى رفقا، مرورا بحبيب ونقولا خشة، والشهداء المسابكيون، واللائحة ليس لها نهاية، شهداء وقديسون طلعوا من صخر هذه الأرض، زرعوا المحبة واعطوا الدنيا دروسا في التضحية والوفاء.
الأوطان والمعتقدات لا تقاس لا بالمساحات ولا بالثروات.
انها تقاس بقداسة ناسها وصمودهم. بنقاوتهم وصفائهم.
ارضي ارض كل شبر بشهيد!