كلمة امين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس

في الاحتفال بزمن الخليقة

الاحد 06 أيلول/سبتمبر 2026

في الكنيسة الانجيلية الوطنية في بيروت

البروفسور ميشال عبس

امين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط

أصحاب السيادة والآباء الأجلاء،
أصحاب السماحة والفضيلة،
الأخوات والإخوة الأحباء،

 

نجتمع اليوم في الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت لنفتتح معاً موسم الخليقة، هذا الزمن الذي تدعونا فيه الكنيسة إلى أن نعيد النظر في علاقتنا بالخليقة، لا بوصفها مجرد إطار مادي نعيش فيه، بل بوصفها عطية من اللّه ووديعة وضعها الخالق بين أيدينا، لكي نحسن استعمالها ونصونها وننقلها إلى أجيال لم تولد بعد.

وفي قلب تأملنا هذا العام تقف المياه، تلك المادة البسيطة في ظاهرها، العظيمة في معناها، والتي لا تستقيم الحياة من دونها.

ولكن قبل أن نتحدث عن المياه، لا بد أن نقف بخشوع أمام عظمة باري الخليقة وعظمة فعل الخلق نفسه. فالخلق ليس مجرد تشكيل لما هو موجود، بل هو، في المفهوم الإيماني، انتقال من العدم إلى الوجود. أن يوجد شيء بعدما لم يكن، وأن تنبثق الحياة والنظام والجمال والتنوع، هو سر يتجاوز قدرة الإنسان على الإحاطة به أو أن يعقله. وعندما نتأمل الخليقة، من أصغر خلية إلى أوسع محيط، فإننا لا نتأمل مادة صامتة فقط، بل نقف أمام أثَر فعل إلهي أخرج الوجود من العدم، ومنح الحياة إمكانية الاستمرار والتجدد.

وفي هذا الوجود تحتل المياه مكاناً لا يمكن الاستغناء عنه. فجسد الإنسان نفسه يقوم في الجزء الأكبر منه على الماء. والماء يدخل في عمل الخلايا والدم والأنسجة والأعضاء، وفي تنظيم حرارة الجسد ونقل العناصر الضرورية للحياة. يمكن للإنسان أن يستغني عن أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يستغني عن الماء. ولذلك فإن علاقتنا بالمياه تبدأ من أبسط حقيقة بيولوجية: الماء شرط من شروط وجودنا الفردي واستمرار حياتنا.

غير أن أهميته لا تقف عند حدود الجسد. فالمياه أساس الزراعة والغذاء والصحة والصناعة والطاقة والاستقرار السكاني. حول الأنهار قامت الحضارات، وبالقرب من الينابيع نشأت القرى والمدن، وبالمياه ازدهرت الزراعة وانتظمت المجتمعات. لذلك فإن الأمن المائي هو أيضاً أمن اجتماعي واقتصادي. وحين تقل المياه أو تسوء إدارتها، لا تظهر المشكلة في الحقول وحدها، بل تصل إلى الغذاء والصحة والعمل والهجرة والاستقرار الاجتماعي.

انها أساس كل شيء حي!

وهنا تظهر إحدى المفارقات المؤلمة في تاريخ الإنسان. فالماء الذي أعطاه الخالق للحياة، حوّله البشر أحياناً إلى سبب للنزاع والحروب ووسيلة للسيطرة والضغط. أصبحت السيطرة على الأنهار والينابيع والسدود ومصادر المياه جزءاً من الصراعات بين الدول والجماعات. وما كان ينبغي أن يكون مجالاً للتعاون وتقاسم الحياة، أصبح في حالات كثيرة أداة نفوذ واحتكار.

إن هذه المفارقة تضع أمامنا مسؤولية أخلاقية كبيرة. فالمياه ليست سلعة عادية، ولا مورداً يجوز التعامل معه بمنطق القوة وحدها. إنها حاجة أساسية لكل إنسان، وعطية لا يمكن لأي جيل أن يدعي ملكيتها المطلقة. نحن نستخدم المياه، لكننا لسنا أصحابها الوحيدين. لنا فيها حق، وللآخرين حق، وللأجيال التي لم تولد بعد حق أيضاً.

من هنا تأتي ضرورة حسن استعمال المياه وعدم هدرها. إن قطرة الماء التي نهدرها بلا مبالاة ليست مجرد خسارة مادية، بل تعبير عن خلل في علاقتنا بالخليقة. علينا أن نعيد النظر في أنماط الاستهلاك، وفي إدارة مياه الشرب والري والصرف، وفي حماية الأنهار والينابيع والمياه الجوفية من التلوث والاستنزاف. إن احترام المياه يبدأ من السلوك الفردي، لكنه يحتاج أيضاً إلى سياسات عامة عادلة وإدارة رشيدة وتعاون بين المجتمعات والدول.

غير أن الماء، في الإيمان المسيحي، لا يقف عند حدود الحاجة البيولوجية أو المورد الاقتصادي أو الحق الإنساني. إنه يدخل أيضاً في صميم لغة الخلاص. فالماء الذي يحفظ الجسد حياً يصبح في الكتاب المقدس علامة على الحياة التي يمنحها اللّه؛ والماء الذي يغسل الجسد يصبح رمزاً للتطهير الداخلي؛ والماء الذي يروي الأرض العطشى يتحول إلى صورة للنعمة التي تروي عطش الإنسان إلى اللّه. وهكذا ينتقل الماء، في الرؤية الكتابية، من مستوى الخليقة إلى مستوى العهد، ومن ضرورة لاستمرار الحياة الطبيعية إلى علامة تَحمِل معنى الحياة الجديدة.

منذ بدايات سفر التكوين نجد المياه حاضرة في مشهد الخليقة، وعلى امتداد الكتاب المقدس ترافق مسيرة الإنسان مع اللّه: مياه الطوفان، وعبور البحر، والماء الخارج من الصخرة، والأنهار والينابيع التي ترمز إلى البركة والحياة. وفي الإنجيل يصبح هذا المعنى أكثر وضوحاً. عند بئر يعقوب يحدث السيد المسيح المرأة السامرية عن «الماء الحي»، معلناً أن عطش الإنسان الأعمق لا يرويه الماء وحده، بل لقاء اللّه. وفي قانا الجليل يحول الماء إلى خمر. ويغسل أرجل تلاميذه بالماء في فعل يجمع بين الطهارة والتواضع والخدمة. ومن جنبه المطعون على الصليب خرج دم وماء، في صورة حملت في التقليد المسيحي دلالات روحية عميقة.

ومن هنا نصل بصورة طبيعية إلى الحدث الذي يمنح الماء أحد أعمق معانيه في الإيمان المسيحي: معمودية السيد المسيح في نهر الأردن.

فالماء الذي أوجده الخالق ليحمل الحياة، والماء الذي رافق تاريخ الخلاص، يصبح في الأردن مسرحاً لظهور إلهي وبداية جديدة. في «المغطس»، المكان المرتبط بحسب التقليد بعماد المسيح، نزل السيد المسيح إلى مياه الأردن، لا لأنه كان في حاجة إلى تطهير، بل لكي يدخل إلى قلب التجربة الإنسانية ويمنح الماء بعداً جديداً. هناك صار الماء مرتبطاً بصورة واضحة بالتجدد، والدعوة، وبداية الرسالة.

وهكذا فإن المعمودية ليست موضوعاً منفصلاً عن حديثنا عن الخليقة، بل هي في صميمه. فالماء الذي به تبدأ الحياة الطبيعية يصبح في المعمودية علامة لبداية حياة روحية جديدة. وما كان عنصراً من عناصر الخليقة يصبح، في السر، وسيلة تعبّر عن النعمة. ففي المعمودية ينزل الإنسان إلى الماء ويخرج منها رمزياً إنساناً متجدداً، تاركاً الإنسان القديم ومتجهاً نحو حياة جديدة في المسيح.

إن هذا المعنى يضعنا أمام مسؤولية روحية لا تقل أهمية عن المسؤولية البيئية. فإذا كنا نعتبر الماء مادة مقدسة في فعل المعمودية، فكيف يمكن أن نقبل بتلويث الأنهار والبحار والينابيع؟ وإذا كنا نرى فيها علامة للحياة الجديدة، فكيف نهدرها أو نحرم منها الفقير أو نحولها إلى وسيلة للضغط والسيطرة؟ إن قدسية الماء في العبادة يجب أن تجد امتدادها في احترام الماء في الحياة اليومية.

ونحن اليوم، في سنة 2026، نقترب خلال أربع سنوات من سنة 2030، أي من محطة تقارب مرور ألفي عام على الزمن الذي يُنسب تقليدياً إلى معمودية السيد المسيح وبداية خدمته العلنية. وهذه المناسبة، مع ما يحيط بالتأريخ الدقيق من نقاش، يمكن أن تتحول إلى محطة مسكونية وروحية وإنسانية كبرى، تعيد الكنائس من خلالها اكتشاف معنى المعمودية والماء والحياة، وتدعو العالم إلى احترام هذه العطية التي لا يستطيع إنسان أن يعيش بدونها.

إن استذكار معمودية المسيح بعد ألفي عام لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفال بحدث تاريخي، بل يجب أن يقودنا إلى سؤال حاضر: ماذا فعلنا بالمياه التي وضعها الخالق بين أيدينا؟ هل حفظناها أم لوثناها؟ هل تقاسمناها بعدالة أم احتكرناها؟ هل أورثناها للأجيال القادمة أم استهلكنا حقهم فيها؟

إن حماية المياه جزء لا يتجزأ من حماية وديعة الخالق. نحن لم نتسلم الأرض لكي نستهلكها حتى الإنهاك، بل لكي نرعاها. ولم نتسلم مواردها لكي نستنفذها في جيل واحد، بل لكي نحفظ قدرتها على إعالة الحياة بعدنا.

في افتتاح موسم الخليقة، فلنجعل من الماء امتحاناً لصدق علاقتنا بالخالق والخليقة والإنسان. فلنحفظها من التلوث، ولنحمها من الهدر، ولنرفض تحويلها إلى أداة للابتزاز والصراع، ولنعمل لكي تبقى متاحة بعدالة لكل إنسان.

إن صيانة المياه هي صيانة للحياة، والعناية بها هي جزء من أمانتنا تجاه وديعة الخالق، لكي نسلّمها إلى الأجيال القادمة كما تسلمناها، بل أفضل مما تسلمناها.

فالماء عطية، والعطية تستوجب الشكر.
والماء حياة، والحياة تستوجب الحماية.
والماء علامة للتجدد، والتجدد يستوجب الأمانة.
والماء وديعة من الخالق، والوديعة تستوجب أن نصونها لمن يأتي بعدنا.

ان صيانتها هي بمثابة شكر للخالق، وبالشكر تدوم النعم.

Next
Next

عندما تبدأ السنة بالخليقة