تحوير الحقائق وتزوير الوثائق
حين يدير المؤسسات الفاسدون
الجزء الاول
البروفسور ميشال عبس
الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
عندما تُبتلى مؤسسة بمن يديرها بعقلية الفساد، لا يكون الفساد مجرد سرقة للمال أو استغلال للمنصب، بل يتحول تدريجياً إلى سرقة للحقيقة نفسِها. وهذه ربما تكون أخطر مراحل الفساد؛ لأن سرقة المال يمكن اكتشافها عبر الحسابات، أما سرقة الحقيقة فتستهدف الوعي والذاكرة والوثيقة والرواية التي تُبنى عليها القرارات.
الفاسد لا يخشى المال الذي اختفى بقدر ما يخشى السؤال الذي يكشف أين اختفى، ولا يخشى الخطأ الذي ارتكبه بقدر ما يخشى الوثيقة التي تثبت أنه ارتكبه. لذلك فإن أول ما يسعى إليه، عندما يشعر بأن موقعه مهدد، هو السيطرة على الرواية: تحوير الوقائع، إعادة تفسير الأحداث، تغيير المحاضر، تبديل الأرقام، إخفاء المراسلات، انتقاء المعلومات، أو حتى اختلاق روايات لم تحدث أصلاً.
وهنا نصل إلى جوهر خطير: الفساد لا يحاول فقط تغيير ما حدث، بل يحاول تغيير فهم الناس لما حدث.
فالوثيقة في المؤسسة ليست مجرد ورقة؛ إنها ذاكرة المؤسسة. والمحضر ليس مجرد إجراء إداري؛ إنه شهادة على ما قيل وما تقرر. والرقم ليس مجرد قيمة حسابية؛ إنه دليل على حركة المال والموارد. وعندما تُزوَّر هذه الأشياء، لا يعود الفاسد يسرق المال وحده، بل يسرق قدرة المؤسسة على معرفة حقيقتها.
عندما تصبح المؤسسة آلة لإنتاج الرواية الكاذبة
في المؤسسة السليمة، الحقيقة هي التي تقود القرار. أما في المؤسسة الفاسدة، فإن القرار يُتخذ أولاً، ثم تُبحث لاحقاً عن الرواية التي تبرره.
وهذا انقلاب خطير في وظيفة الإدارة.
بدلاً من أن تكون الوثائق مرآة للواقع، تصبح أداة لصناعة واقع بديل. وبدلاً من أن يكون التقرير وسيلة للمساءلة، يصبح وسيلة لتبرئة المسؤول. وبدلاً من أن يكون التحقيق بحثاً عن الحقيقة، يتحول إلى بحث عن شخص يمكن تحميله المسؤولية.
وهكذا تتكون منظومة كاملة: قرار خاطئ، ثم تبرير، ثم وثيقة تبرر التبرير، ثم رواية إعلامية أو إدارية تدعم الوثيقة، ثم معاقبة كل من يملك رواية مختلفة.
عند هذه النقطة لا يعود الفساد تصرفاً فردياً، بل يصبح ثقافة مؤسساتية.
والثقافة المؤسساتية الفاسدة أخطر من الفاسد الفرد؛ لأن الفرد يمكن إبعاده، أما الثقافة فتستمر في إنتاج أشخاص يشبهونه.
لماذا يصبح الانسان الشريف خطراً؟
في مثل هذه البيئة المسمومة، يصبح الانسان الشريف عبئاً، ليس لأنه ارتكب خطأ، بل لأنه يذكّر الآخرين بأن هناك معياراً أخلاقياً يمكن أن تُقاس به الأفعال.
الإنسان المستقيم الذي يرفض التوقيع على باطل، أو يسأل أين ذهبت الأموال، أو يطالب بأن يكون القرار موثقاً، أو يطلب كشف الحسابات، لا يُنظر إليه باعتباره موظفاً يؤدي واجبه، بل باعتباره تهديداً لتوازن غير معلن.
وهنا تبدأ آلية الإقصاء.
في البداية قد يكون التهميش ناعماً: لا يُستشار، لا يُدعى إلى الاجتماعات المهمة، لا تُعطى له المعلومات كاملة، ولا يُسمح له بالمشاركة في القرارات.
ثم يصبح التهميش إدارياً: يُحرم من الترقية، تُسحب منه الصلاحيات، يُنقل إلى موقع هامشي، أو يُعطى عملاً لا يتناسب مع خبرته.
ثم قد يتحول الأمر إلى عقوبة نفسية واجتماعية: يُترك وحيداً، ويُشعَر بأنه شخص مزعج، أو غير متعاون، أو غير واقعي، أو غير قادر على فهم "طريقة العمل".
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: الفساد لا يحتاج دائماً إلى إسكات الحقيقة بالقوة؛ أحياناً يكفي أن يجعل صاحب الحقيقة يشعر بأنه وحيد.
فالإنسان عندما يرى الجميع صامتين يبدأ في السؤال: هل أنا المخطئ؟ هل أبالغ؟ هل فهمت الأمور بطريقة خاطئة؟
وهذه هي إحدى أقوى وسائل السيطرة على الإنسان: تحويلُه من شاهد على الخطأ إلى متهم بسبب اعتراضه عليه.
التشويه: عندما تصبح السمعة هدفاً
إذا لم ينجح التهميش، يبدأ التشويه.
الفاسد يدرك أن صاحب الموقف الأخلاقي قد يكون أقوى منه إذا بقيت سمعته سليمة، ولذلك يصبح من الضروري بالنسبة إليه أن يضرب هذه السمعة.
تُطلق الشائعات، وتُلفق التهم، وتُقتطع الجمل من سياقها، وتُعاد صياغة الأحداث بحيث يبدو المدافع عن الحقيقة وكأنه مصدر المشكلة.
وهنا يظهر ما يسمى بـ Gaslighting، أي التلاعب بإدراك الإنسان للواقع من خلال دفعه إلى الشك في ذاكرته وفهمه وحكمه على الأمور.
يُقال له:
"أنت تتوهم."
"أنت المشكلة."
"أنت حساس أكثر من اللازم."
"أنت لا تفهم كيف تسير الأمور."
"الجميع موافق، وأنت وحدك تعترض."
"أنت غير كفؤ."
"أنت تبالغ."
وبمرور الوقت، قد يحدث أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان: أن يبدأ في محاكمة نفسه بالأدوات التي صنعها خصمه.
وهنا يبلغ الظلمَ مرحلةً عميقة: أن يُجبَر الصادق على الشك بصدقه، وأن يُجبر الضمير الحي على الاعتذار عن رفضه للباطل.
قلب الأدوار: من الفاعل إلى الضحية Blame Shifting
ومن أخطر أساليب الفساد أيضاً قلب الأدوار.
الفاسد لا يكتفي بإخفاء خطئه؛ بل يحاول أن يظهر بمظهر الضحية. ومن هنا تأتي سياسة كَبش الفداء.
إذا فشل المدير، يُحمّل الموظف الصغير المسؤولية. وإذا اختفت الأموال، يُبحث عن شخص يمكن إلصاقُ التُهمة به. وإذا ظهرت وثائق متناقضة، يُتهم من اكتشف التناقض بأنه هو الذي أحدث المشكلة.
إنها عملية نفسية وإدارية معاً: نقل المسؤولية من صاحب القرار إلى الأضعف منه.
وهنا ينطبق المثل الشعبي: "ضربني وبكى، وسبقني واشتكى."
لكن في المؤسسة الفاسدة، قد تكون المسألة أكثر تعقيداً من مجرد كذبة؛ إذ يجري أحياناً بناء ملف كامل ضد الشخص الذي رفض المشاركة في الخطأ، حتى يصبحُ الدفاعُ عن نفسه أكثر صعوبة من كشف الخطأ الأصلي.
ولهذا فإن من أخطر مؤشرات فساد المؤسسة أن يصبح السؤال ليس: "من اتخذ القرار؟" بل: "على من نستطيع أن نلقي المسؤولية؟"
كيف يمكن أن تنحرف المؤسسة من الفساد الفردي إلى الفساد الجماعي؟
الفساد لا ينتشر لأن الجميع فاسدون بالضرورة. أحياناً ينتشر لأن عدداً قليلاً من الفاسدين ينجحون في إخافة أو شراء أو عزل أو استنزاف الآخرين.
يبدأ الأمر بفاسد واحد، ثم يصمت الآخرون.
بعد ذلك يصبح الصمت مصلحة.
ثم يصبح التواطؤ عادة.
ثم تصبح العادة عرفاً.
ثم يصبح العرف "طريقة العمل".
وهنا تكون المؤسسة قد وصلت إلى مرحلة خطيرة: لم يعد الفساد يحتاج إلى الدفاع عن نفسه، لأن النظام نفسه أصبح يحميه.
الموظف الجديد يتعلم سريعاً أن السؤال الزائد قد يسبب له المتاعب، وأن الاعتراض قد يؤثر على مستقبله، وأن الصمت أكثر أماناً. ومع مرور الوقت، لا يعود الناس بحاجة إلى أن يُطلب منهم الكذب؛ يكفي أن يعرفوا ما الذي يجب ألا يقولوه.
وهذه هي عبودية الخوف.
في الجزء الثاني من المقالة سوف نتطرق الى مواجهة الفساد من منطلق مسيحي.