عندما تبدأ السنة بالخليقة
من «كن فيكون» إلى «اعملها واحفظها»
بقلم سيادة المطران كوستا كيّال
بقلم سيادة المطران كوستا كيّال، رئيس دير مار الياس شويّا البطريركيّ للروم الأرثوذكس في لبنان، وعضو اللّجنة التنفيذيّة لمجلس كنائس الشرق الأوسط سابقًا
مع الأول من أيلول، لا تبدأ الكنيسة دورةً زمنية جديدة فحسب، بل تدخل من جديد في سرّ الخليقة، فتردّ الزمن إلى مصدره: اللّه الخالق. فالسنة الكنسية لا تنطلق من الإنسان ومشاريعه، بل من كلمة اللّه التي بها «كان كل شيء» (يو 1: 3). إنها دعوة إلى أن نعيش الزمن لا كامتلاك، بل كعطيّة، والخليقة لا كمادة للاستهلاك، بل كسرّ شركة مع الخالق.
يضع سفر التكوين أمامنا الإعلان الأول: «في البدء خلق اللّه السماوات والأرض» (تك 1: 1). وقبل أن يتكلّم الكتاب عن الإنسان، يتكلّم عن اللّه. فالعالم ليس وليد الصدفة، ولا مادة بلا معنى، بل هو خليقة خرجت من محبة اللّه وحكمته. ولذلك، عندما نظر اللّه إلى ما صنعه، «رأى… أنه حسن جدًا» (تك 1: 31).
هذه الرؤية الكتابية كانت في قلب فكر الآباء. فالقديس باسيليوس الكبير، في تأمله في أيام الخليقة، لا يرى في الكون مجرد موضوع للمعرفة، بل «مدرسة» تقود العقل إلى الدهشة أمام حكمة الخالق. والخليقة، في المنظور الآبائي، ليست بديلًا عن اللّه، بل أيقونة تشير إلى عظمته؛ جمالها يصبح دعوة إلى التسبيح، ونظامها شهادة على العناية الإلهية.
ومن هنا نفهم دعوة الإنسان: «وضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها» (تك 2: 15). فالإنسان ليس سيدًا مستبدًا على الخليقة، بل كاهنها وخادمها وأمينها. إنه يأخذ من الأرض لكي يردّها إلى اللّه بالشكر. وهذه هي الرؤية الإفخارستية للعالم: «لكل شيء منك، ومن يدك أعطيناك» (1 أخ 29: 14). فالخبز والخمر، ثمار الأرض وعمل الإنسان، يصيران في الإفخارستيا تقدمة شكر، ويُكشف لنا أن المادة ليست ضد الروح، بل يمكن أن تصبح حاملةً للنعمة عندما تُستقبل بالشكر.
لهذا ترتبط العناية بالخليقة بالتوبة. فالخطية ليست فقط كسرًا لعلاقة الإنسان باللّه وبأخيه، بل هي أيضًا تشويه لعلاقته بالخليقة. إنها انتقال من الشكر إلى الاستهلاك، ومن الشركة إلى التملّك، ومن القناعة إلى الجشع. ومن هنا نفهم البعد النسكي في التقليد الأرثوذكسي: القديس إسحق السرياني يرى القلب الرحيم قلبًا يتسع لكل الخليقة؛ لأن الإنسان الذي استعاد صورته في المسيح يتعلم أن يرى العالم بعين الرحمة.
والخليقة نفسها تنتظر هذا التجديد: «الخليقة أيضًا ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد اللّه» (رو 8: 21). فالمسيح، الذي «فيه خُلق الكل» (كو 1: 16)، هو أيضًا الذي يقود الخليقة كلها إلى ملء التجدد. لذلك ليست العناية بالخليقة قضية هامشية في الإيمان، بل ثمرة للإيمان بالخالق والمخلّص والمحيي.
وفي شرقنا، حيث يصبح الماء بصورة متزايدة مسألة حياة وكرامة وعدالة، تكتسب كلمة النبي حزقيال قوتها: «وتكون الحياة حيثما يأتي النهر» (حز 47: 9). فالماء في الكتاب المقدس علامة للحياة والتطهير والعبور والتجدد، ولذلك فإن حمايته تصبح فعل محبة ومسؤولية وشهادة.
إن بدء السنة الكنسية هو إذًا بداية روحية أيضًا: أن نعود إلى «البدء»، إلى اللّه، لكي نتعلم من جديد كيف ننظر إلى الخليقة. لا نملك الأرض؛ نحن نقبلها أمانة. ولا نستهلك عطايا اللّه؛ نحن نشكره عليها ونشاركها.
«ترسل روحك فتُخلق، وتجدد وجه الأرض» (مز 104: 30).
هذه هي صلاتنا في مطلع السنة: أن يجدّد الروح القدس وجه الأرض، وأن يجدّد أولًا قلب الإنسان؛ لكي ينتقل من منطق التملّك إلى منطق الشكر، ومن الاستهلاك إلى الشركة، ومن الاستغلال إلى الخدمة.
فحين تبدأ السنة بالخليقة، تتذكّر الكنيسة أن كل شيء يبدأ باللّه، ويُحفظ باللّه، ويجد كماله في المسيح. وما يُعطى لنا كخليقة، مدعوّ في النهاية أن يعود إلى اللّه تسبيحًا وشكرًا ومجدًا، «الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين». آمين