كلمة رئيس الطائفة الانجيلية في مصر القس د. أندريه زكي
في افتتاح المؤتمر الاقليمي "مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الانسانية والحياة معاً"
المنعقد في جمهورية مصر العربية
الدكتور ميشال عبس، الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط،
السيدات والسادة الحضور،
يسعدني أن أرحب بحضراتكم جميعًا في هذا اللقاء، الذي يجمعنا حول قضية تمس حياة مجتمعاتنا واستقرارها، وهي قضية خطاب الكراهية، وما يرتبط بها من مسؤوليةٍ مشتركةٍ في تعزيز الكرامة الإنسانية، واحترام التنوع، وبناء مجتمعات أكثر سلامًا وتماسكًا.
ويكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة من كونه يأتي في إطار التعاون المشترك بين مجلس كنائس الشرق الأوسط والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، وهو تعاون يعكس إيمانًا مشتركًا بأن القضايا التي تواجه مجتمعاتنا اليوم تحتاج إلى تكامل الجهود وتبادل الخبرات. وقد ظل الحوار، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ ثقافة العيش المشترك، من المجالات التي يوليها مجلس كنائس الشرق الأوسط اهتمامًا واضحًا، انطلاقًا من رسالته في بناء جسور التواصل بين الكنائس والمجتمعات، وتعزيز الفهم المتبادل واحترام التنوع.
ومن جانبها، تضع الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية الحوار المجتمعي وبناء جسور التواصل وتعزيز قيم المواطنة والتعايش ضمن مجالات عملها، ومن هنا تأتي أهمية الشراكة بين المؤسستين في تناول قضية مثل خطاب الكراهية؛ فهي قضيةٌ لا يمكن مواجهتها من زاوية واحدة، بل تحتاج إلى تعاون المؤسسات الدينية والمجتمعية والتعليمية والإعلامية، وإلى الانتقال من مجرد رفض خطاب الكراهية إلى بناء ثقافة بديلة تقوم على احترام الإنسان، وقبول التنوع، والحوار، والشراكة. ويأتي لقاؤنا اليوم امتدادًا لهذا النوع من العمل المشترك.
إن اجتماعنا اليوم يأتي في وقت يشهد فيه عالمنا كثيرًا من التوترات والصراعات والانقسامات، التي لا تتوقف آثارها عند حدود الخلاف السياسي أو الاجتماعي، بل تمتد لتؤثر في العلاقات بين الناس، وفي الاستقرار المجتمعي، وفي فرص التنمية والحوار. وفي هذا السياق، أصبح خطاب الكراهية أحد التحديات التي تستحق منا فهما أعمق ومواجهة أكثر جدية.
وأعتقد أن الخطوة الأولى في مواجهة هذه الظاهرة هي أن نفهم طبيعتها. فخطاب الكراهية لا يتعلق بمجرد اختلاف في الرأي، ولا ينبغي أن نخلط بينه وبين حرية التعبير، التي تظلُّ حقًّا أساسيًّا من حقوق الإنسان. لكن حرية التعبير لا تعني التحريض على الآخر، أو ازدراءه بسبب دينه أو هويته أو انتمائه، ولا تبرر إقصاءه أو التعامل معه باعتباره أقل قيمةً أو أقل استحقاقًا للكرامة.
وهنا تبرز أهمية الوعي؛ فكثير من صور الكراهية تبدأ من أفكار ومفاهيم خاطئة تتكون لدى الإنسان تجاه الآخر، وقد تتغذَّى هذه الأفكار من الأسرة أو البيئة التعليمية أو الخطاب الديني أو الإعلامي، ثم تجد في وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً واسعًا للانتشار والتأثير. ولذلك فإن مواجهة الكراهية تبدأ حقًّا عندما نعيد بناء الوعي، ونؤكد قيمة الإنسان، ونعلم أبناءنا احترام الاختلاف وقبول الآخر.
كما أن خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات عابرة؛ فقد يتحول إلى عنف لفظي أو نفسي أو اجتماعي، وقد يصل إلى التهديد والإقصاء والتمييز، وفي بعض الحالات يمكن أن يمهد الطريق إلى أشكال أكثر خطورة من العنف. ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل أدوار التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، إلى جانب دور القوانين والتشريعات.
وأمام هذه المسؤولية، نحتاج إلى الانتقال من مجرد رفض الكراهية إلى بناء خطابٍ بديل؛ خطاب يقوم على الحوار، والاحترام، والتعارف، والاعتراف بإنسانية الآخر وحقِّه في الاختلاف. ونحتاج كذلك إلى أن نستخدم أدوات عصرنا، وفي مقدمتها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة، لا لنشر الانقسام، بل لصناعة مساحات جديدة للتفاهم والتقارب.
إن المجتمعات لا تستطيع أن تحقِّق التنمية الحقيقية بينما تعيش تحت تأثير الكراهية والانقسام. فالعنف الناتج عن الكراهية يمكن أن يهدم ما تبنيه جهود التنمية والحوار، بينما يستطيع بناء الجسور والوصول إلى أرضية مشتركة أن يفتح الطريق أمام تعاون أوسع، وسلام أكثر استدامة، ومجتمع أكثر تماسكًا.
ومن هنا تأتي أهمية هذا اللقاء، وأهمية الشراكة التي تجمعنا اليوم. فلنجعل من هذا الحوار خطوة جديدة نحو مجتمع يحترم الإنسان، ويقبل التنوع، ويرفض الكراهية، ويؤمن بأن اختلافنا لا ينبغي أن يكون سببا للصراع، بل يمكن أن يكون مصدرا للتعارف والتعاون وبناء المستقبل.
أرحب بكم جميعا، وأشكركم على حضوركم ومشاركتكم، وأتمنى لهذا اللقاء كل النجاح والتوفيق.
خطاب الكراهية
من مواجهة الانقسام إلى بناء ثقافة الرحمة****
لم يعد خطاب الكراهية ظاهرةً هامشيةً يمكن التعامل معها بوصفها مجرد تعبيرات حادة أو مواقف فردية عابرة، بل أصبح تحديًا يمس العلاقات الإنسانية والاستقرار المجتمعي، ولا سيما في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجال العام والفضاء الرقمي. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي قدرةً غير مسبوقةٍ على انتشار الأفكار والمواقف، وأصبح الخطاب الذي يقوم على التخويف أو الوصم أو ازدراء الآخر قادرًا على الوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع في وقت قصير.
وتزداد خطورة خطاب الكراهية عندما يتحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى أساس للإقصاء والتمييز؛ فالمجتمعات بطبيعتها متعددةٌ في أديانها وثقافاتها وتوجهاتها وأفكارها، ولا يمكن أن يستقيم العيش المشترك بإلغاء هذا التنوع أو محاولة فرض رؤية واحدة على الجميع. ومن المؤكد أن المشكلة ليست في الاختلاف ذاته، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه؛ إذ يمكن أن يصبح الاختلاف مدخلًا إلى الحوار والتعارف والتعاون، كما يمكن أن يتحول، عندما تغيب ثقافة الاحترام، إلى مصدر للتوتر والانقسام.
وبناءً على هذا، فإن مواجهة خطاب الكراهية تحتاج إلى أكثر من الإجراءات القانونية أو التقنية؛ إنها تحتاج إلى إعادة بناء الوعي الإنساني والأخلاقي الذي يحكم علاقتنا بالآخر. فكثير من صور الكراهية تبدأ من أفكار ومفاهيم مسبقة تتشكل تجاه جماعةٍ أو شخصٍ بسبب الدين أو الهوية أو الانتماء، ثم تتغذى هذه الأفكار عبر البيئة الاجتماعية أو التعليمية أو الإعلامية، قبل أن تجد في الفضاء الرقمي مجالًا واسعًا للانتشار والتأثير. ولذلك فإن المواجهة الحقيقية تبدأ من الإنسان نفسه، ومن الطريقة التي ينظر بها إلى الآخر ويعرِّف بها كرامته وحقوقه.
****
من رفض الكراهية إلى خطاب بديل يقوم على الرحمة****
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى خطابٍ دينيٍّ ولاهوتيٍّ قادر على أن يكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة. إذ يمتلك الدين قدرةً كبيرةً على تشكيل الوعي والقِيَم والمواقف، خصوصًا في مجتمعات الشرق الأوسط، ومن ثم فإن الخطاب الدينيّ يمكن أن يسهم إما في تعميق الانقسام عندما يستخدم لغة الإدانة والإقصاء، أو في بناء الجسور عندما يؤكِّد قيمة الإنسان وكرامته ويدعو إلى الحوار والرحمة.
ومن المنظور المسيحي، لا تمثل الرحمة مجرد قيمة أخلاقية عامة، بل ترتبط بجوهر الرؤية المسيحية للإنسان ولعلاقته بالله وبالآخر. فالإنسان لا يفقد كرامته بسبب اختلافه في الدين أو الثقافة أو الرأي، ولا يصبح أقل استحقاقًا للاحترام بسبب انتمائه المختلف. ولذلك فإن التعبير عن الإيمان المسيحي لا يتعارض مع احترام الآخر، بل إن الأمانة للإيمان تقتضي أن يُقدَّم هذا الإيمان بطريقة تحفظ للإنسان كرامته، وتفتح المجال للحوار، وترفض تحويل الاختلاف إلى عداء.
والرحمة هنا لا تعني إلغاء الاختلاف، ولا تعني التنازل عن القناعات أو إخفاء الخصوصية الدينية، بل تعني أن نختلف دون أن نهين، وأن نتمسك بقناعاتنا دون أن ننزع عن المختلف إنسانيته، وأن نعبّر عن إيماننا بلغة تفتح الأبواب بدلًا من إغلاقها. ومن ثم يمكن للرحمة أن تتحول من مفهوم روحي إلى ممارسة اجتماعية، ومن قيمة لاهوتية إلى ثقافة عامة تسهم في تخفيف التوتر وبناء الثقة.
وهذا يفرض على الكنيسة مسؤوليةً مهمةً في تقديم نموذج مختلف للحضور الديني في المجال العام. فالخطاب المسيحي يمكنه أن يقدم نموذجًا يقوم على الرجاء، والحوار والطمأنينة والرحمة والتسامح وفقًا لتعاليم الإنجيل. وفي هذا الإطار يصبح الحضور المسيحي قوة لبناء الجسور وتعزيز العيش المشترك والسلام المجتمعي.
إن الخطاب الديني المضاد للكراهية لا يعني خطابًا ضعيفًا أو مترددًا، بل خطابًا يمتلك وضوحًا في القناعة وعمقًا في الإنسانية في الوقت نفسه. فهو يدعو الإنسان إلى أن يعيش هويته بطريقة لا تتحول معها الخصوصية إلى أداة لإقصاء الآخرين. ومن هنا تصبح الرحمة لغة للتواصل، ويصبح احترام الآخر جزءًا من الشهادة للقيم التي يؤمن بها الإنسان.
****
مسؤولية مشتركة وبناء ثقافة للعيش المشترك****
إن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، لأنها ظاهرة تتداخل فيها عوامل دينية وثقافية واجتماعية وإعلامية وتعليمية. ولذلك فإن مواجهتها تتطلب تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، إلى جانب دور القانون والتشريعات. كما تتطلب الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة في إنتاج محتوى يعزز الحوار والتعارف بدلًا من استخدامها في تكريس الصور النمطية والاستقطاب.
وفي هذا الإطار، تكتسب جهود المؤسسات الدينية والمجتمعية أهمية خاصة. وتبرز الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية من خلال اهتمامها بالحوار المجتمعي، وبناء جسور التواصل، وتعزيز قيم المواطنة والتعايش، بوصف ذلك جزءًا من العمل على بناء ثقافة بديلة لخطابات الانقسام والكراهية. كما أن التعاون بينها وبين مجلس كنائس الشرق الأوسط في تناول هذه القضايا يعكس أهمية العمل المشترك وتبادل الخبرات في مواجهة التحديات التي تتجاوز قدرة مؤسسة واحدة على التعامل معها.
وتتأكد أهمية هذا الدور في ظل اتساع المجال الرقمي، حيث لم تعد الكلمة محصورةً في نطاق محدود، بل يمكن أن تتحول في خلال دقائق إلى خطاب عام مؤثر في مواقف الناس وعلاقاتهم. ومن ثم فإن المسؤولية لا تقتصر على حذف المحتوى المسيء أو الحد من انتشاره، بل تمتد إلى إنتاج محتوى بديل قادر على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم، محتوى يعيد الاعتبار إلى قيمة الإنسان، ويشجع على التعارف، ويقدم الاختلاف باعتباره فرصة للحوار لا ذريعة للصراع.
كما أن بناء ثقافة مقاومة للكراهية يبدأ من التعليم والتنشئة. فتعليم الأطفال والشباب احترام الاختلاف وقبول الآخر ليس قضية ثانوية، بل هو استثمار طويل الأمد في استقرار المجتمع. وإذا كانت بعض صور الكراهية تبدأ من مفاهيم خاطئة تتكون لدى الإنسان تجاه الآخر، فإن تصحيح هذه المفاهيم وإعادة بناء الوعي يمثلان أحد أهم مسارات المواجهة.
وفي النهاية، لا يمكن بناء مجتمعات متماسكة بينما تظل الكراهية والاستقطاب حاضرين في الحياة اليومية. فالكراهية لا تتوقف عند حدود الكلمات؛ بل ربما تتحول إلى عنف لفظي أو نفسي أو اجتماعي، وإلى تهديد أو إقصاء أو تمييز، وقد تمهد في بعض الحالات لأشكال أكثر خطورة من العنف. وفي المقابل، فإن بناء الجسور، والوصول إلى أرضية مشتركة، وتعزيز الحوار، كلها عوامل تفتح الطريق أمام تعاون أوسع وسلام أكثر استدامة ومجتمع أكثر تماسكًا.
ومن هنا، فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست فقط أن نقول «لا» للكراهية، وإنما أن نمتلك شجاعة بناء البديل: خطاب يكرّم الإنسان، ويحترم الاختلاف، ويقاوم الإقصاء، ويؤمن بأن الرحمة ليست ضعفًا، بل طاقة أخلاقية ولاهوتية قادرة على ترميم ما تفسده الكراهية. وعندما تتحول هذه القيم إلى ممارسة في الكنيسة والمجتمع والإعلام والفضاء الرقمي، يصبح اختلافنا مجالًا للتعارف والتعاون، لا سببًا للصراع؛ ويصبح الحضور الديني شريكًا حقيقيًّا في صناعة السلام وتعزيز العيش المشترك.
#نختار_الحياة_معًا