كلمة أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسور ميشال عبس

في افتتاح المؤتمر الاقليمي: "مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الانسانية والحياة معاَ"

المنعقد في جمهورية مصر العربية

باسم باري الخليقة، مصدر النور ومكونات الحياة،

باسم المتألمين في كل اصقاع المعمورة الذين يعانون من التمييز والاضطهاد،

باسم كل من يكابد الوصم والتهميش والتنمر في حياته اليومية،

باسم الكرامة الإنسانية التي توازي الحياة، والتي لا يؤمنها الا التماسك الاجتماعي،

جئناكم بهذا المؤتمر- التحدي،

جئناكم نتحدى القدر الذي لا يمنعه حذر،

جئناكم لكي نحذر معاً ونقول انه ملعون من يوقظ الفتن في بلادي الجريحة،

ومبارك من يئدها،

لقد كانت ساعة مباركة عندما كنا في زيارة الى حضرة القس الدكتور اندريه زكي، رئيس الطائفة الانجيلية في مصر، ورئيس الهيئة القبطية الانجيلية للخدمات الاجتماعية، اذ طرحنا عليه فكرة هذا المؤتمر، فما كان منه الا ان أستجاب، بمنطقه العفوي، ان (CEOSS) يمكنها ان تستضيف هذا المؤتمر.

وهكذا كان، فتجسدت فكرة المشروع بلقائنا اليوم حول موضوع الابلسة وخطاب الكراهية.

من أرض مصر، أرض اللقاء، من هذا البلد الذي لجأت اليه العائلة المقدسة هرباً من أبلسة الأطفال، منذ الفين وعقدين ونيف، ومن هذا الوطن الذي علّم العالم معنى الوحدة في الحياة عبر "بيت العيلة" كما عبر الوحدة الاجتماعية، نفتتح مؤتمرنا اليوم حول موضوع يمس جوهر وجودنا كمواطنين في هذا الشرق: مواجهة الأبلسة وخطاب الكراهية.

اقولها سلفا، وقبل ان نسمع ما سيُعلّمنا اياه باحثون افاضل يشاركوننا الم الكراهية المستشرية في بلادنا، كما في العالم، ان بلاد العرب اوطاني مرشحة لان تكون مسرحا لسفك الدماء الناتجة عن الكراهية، لشدة تنوعها الاثني والعرقي والطائفي، إذا لم نتحدى الامر الواقع ونقف وقفة الرجل الواحد في وجه مشاريع التفتيت والتمزيق، التي لا تتحقق الا عبر ظاهرة مرضية فردية وجماعية اسمها الابلسة والكراهية.

الأبلسة هي ان أنزع عن الآخر صفة الإنسان، وأن ألبسه صفة الشيطان.

هيا انه عندما أختلف معك في الرأي، أجعلك شراً مطلقاً، خطَراً يجب استئصاله.

خطاب الكراهية قد يقول: "أنا لا اقبلك". أما الأبلسة فتقول: "أنت لست إنساناً، أنت شيطان، ووجودك خطر على الله وعلى الوطن".

وعندما نصل إلى هذه المرحلة، يصبح العنف مبرراً، ويصبح القتل مقدساً في عيون القاتل.

وهنا يكمن الخطر الأكبر في شرقنا اليوم.

نحن في الشرق الأوسط لا نعاني فقط من حروب وجيوش، بل نعاني من حرب روايات، حرب كلمات. كلمة واحدة على وسائل التواصل الاجتماعي، او على جدران الشوارع، قادرة أن تؤدي الى احداث قد تتفاوت في خطورتها.

لقد رأينا كيف تحولت المنابر، وأحياناً المنابر الدينية، او الإعلامية او السياسية، إلى منصات للأبلسة وخطاب الكراهية. يُتهم البعض بأنه عميل، والبعض الآخر بأنه إرهابي، والمختلف في المذهب بأنه خائن للدين.

وهنا اسمحوا لي ان أعلنها بصريح العبارة امامكم: نحن لسنا ضحايا فقط. نحن أحياناً شركاء في هذا الخطاب من حيث لا ندري. عندما نربي أطفالنا في بيوتنا او في مدارسنا على الخوف من الآخر او رفضه، عندما يأتي من يستخدم في خطابه لغة الاخيار مقابل الأشرار، فإننا نساهم في صناعة الأبلسة. واليوم، نريد ان ندعو عبر هذا المؤتمر إلى توبة جماعية.

المقصود بالأبلسة تحويل الآخر، فرداً كان أم جماعة، إلى صورة شريرة مطلقة، وتجريده تدريجياً من صفاته الإنسانية. تبدأ العملية بالتعميم: خطأ يرتكبه شخص يتحول إلى صفة جماعة، وجريمة فرد تصبح اتهاماً لطائفة او جماعة أو قوم أو طبقة بأكملها. ثم يأتي الانتقاء، فنبحث فقط عما يؤكد الصورة التي كوّناها عن الآخر، ونتجاهل كل ما يناقضها.

خلال ذلك تجري مرحلة نزع الإنسانية. لا يعود الآخر إنساناً له مشاعر وحقوق ومخاوف وأحلام، بل يتحول في الخطاب إلى «خطر» أو «خائن» أو «مرض» أو «عدو». وعندما تنجح هذه العملية يصبح إقصاؤه مقبولاً، وقد يصبح الاعتداء عليه قابلاً للتبرير.

لذلك فإن خطورة الأبلسة لا تكمن فقط في الإساءة إلى الآخر، بل في أنها تغير البنية الأخلاقية للمجتمع نفسه. فهي تستبدل المعرفة بالخوف، والحجة بالإدانة، والاختلاف بالعداء، وتخلق بيئة يصبح فيها العنف أكثر قبولاً.

والأبلسة تعمل على مستويين: فردي وجماعي. في العلاقات الفردية يمكن أن يبدأ الأمر بخلاف مهني أو عائلي أو شخصي، ثم يتحول الخصم من إنسان قد ارتكب فعلاً نرفضه، إلى إنسان «سيئ في جوهره». لكن الخطر يتضاعف عندما تنتقل هذه الآلية إلى مستوى الجماعات. عندها قد يُطلب من الإنسان أن يكره شخصاً لم يلتقه قط، فقط لأنه ينتمي إلى دين أو طائفة أو قومية أو حزب مختلف. وفي هذه المرحلة تتحول الهوية إلى أداة تصنيف أخلاقي.

أما الاستخدام السياسي للأبلسة، فهو من أخطر أشكالها. هذا الامر يحصل عندما تعجز بعض القيادات عن تقديم الحلول الاجتماعية او السياسية او الاقتصادية، وتفشل في تأمين انتظارات شعوبها. عندها يصبح من الأسهل عليها صناعة خصم وتحميله المسؤولية. وعندما يصبح الخوف وسيلة للحشد، يتحول الآخر إلى أداة في الصراع على السلطة. ولهذا لا يجوز أن تُبنى الشرعية السياسية على تخويف الناس من بعضهم أو تحقير جماعة لمصلحة أخرى.

ويأتي حطاب الكراهية متلازما مع الابلسة، في علاقة سببية.

لقد أصبح خطاب الكراهية في المجتمعات المعاصرة أحد أخطر التحديات التي تهدد السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي. وخطورته لا تكمن فقط في الكلمات المستخدمة، بل في المسار الذي يقود من الفكرة إلى القول، ومن القول إلى الموقف، ومن الموقف إلى السلوك العنفي.

فالكراهية لا تبدأ بالفعل العدائي، بل تبدأ في الوعي. تبدأ عندما تتشكل صورة نمطية سلبية عن فرد أو جماعة، بواسطة الابلسة، ثم تتحول هذه الصورة إلى حكم أخلاقي شامل، وبعد ذلك إلى خطاب يبرر الإقصاء، وصولاً في بعض الحالات إلى التمييز أو العنف.

يمكن تلخيص هذه العملية بثلاث مراحل مترابطة: الفكر، ثم الموقف او التعبير، ثم العمل.

حين نتحدث عن خطاب الكراهية، فإننا لا نتحدث فقط عن كلمات جارحة أو عبارات متطرفة، بل عن مسار يبدأ فكرة وينتهي عنفاً، فالعنف لا يولد في اللحظة التي تُرفع فيها اليد، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يُختزل إنسان أو جماعة في صورة نمطية سلبية ثابتة، وعندما يصبح الآخر في الوعي الجمعي خطراً أو عدواً أو كائناً أقل قيمة. من هنا التشديد على هذه الآلية الشديدة الخطورة التي هي الأبلسة.

اما العناصر المحفزة للكراهية فمصادرها متعددة.

قد يكون العامل دينياً، حين يتحول الاختلاف العقائدي إلى إدانة للآخر.

وقد يكون مذهبياً أو قومياً أو عرقياً، عندما تُبنى الهوية على فكرة التفوق أو الخوف من الجماعات الأخرى. وقد يكون طبقياً أو اقتصادياً، عندما تتحول الأزمات الاقتصادية إلى بحث عن كبش فداء. وقد يكون اجتماعياً، نتيجة الصور النمطية المتوارثة. أما العامل السياسي فهو من أخطر المحفزات، لأن بعض القوى تلجأ إلى صناعة العدو كوسيلة لشد عصب جماعتها.

حين تصبح السياسة قائمة على الخوف، يصبح وجود «خصم شيطاني» ضرورة لاستمرار التعبئة.

في سياق متصل، لا بد من التوقف امام دور الإعلام في تعميم خطاب الكراهية.

قد ينشأ خطاب الكراهية داخل دوائر ضيقة: عائلة، مجموعة سياسية، جماعة دينية، أو محيط اجتماعي محدود، لكن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي يمنحانه قدرة استثنائية على الانتشار، فالكلمة التي كانت تبقى محصورة في مجلس صغير يمكن اليوم أن تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات.

وهنا تكمن مسؤولية الإعلام وخطورته.

فالتحريض لا يأتي دائماً من الكذب المباشر، بل قد يأتي من الانتقاء المتعمد للمعلومات، أو العنوان المثير، أو إخراج التصريح من سياقه، أو تكرار الصور النمطية، أو إعطاء مساحة غير متوازنة للأصوات الأكثر تطرفاً، او ضيف يبني حضوره على التحريض.

وتزيد خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي من هذه المشكلة، لأن المحتوى المثير للغضب والخوف غالباً ما يحظى بتفاعل أكبر، ويؤمن نسبة متابعة اعلى.

وهكذا يصبح الغضب سلعة إعلامية.

هذا الإعلام الذي يناط به أن يكون مدرسة في المعرفة والتعدد والحوار، يتحول فجأة إلى مكبر للكراهية، أي الى أداة فتك وقد يؤدي إلى مواجهة اجتماعية واسعة.

لذلك فإن التربية الإعلامية الصحيحة هي أحد أهم خطوط الدفاع ضد خطاب الكراهية.

اما الجهل فانه يشكل بيئة خصبة لتنامي خطاب الكراهية وله دور أساسي في تكوين هذا الخطاب.

الجهل ليس فقط نقصاً في المعلومات، بل قد يكون عجزاً عن التمييز بين الخبر والرأي، وبين الفرد والجماعة، وبين الاختلاف والعداء. وكلما قلّت معرفة الإنسان بالآخر، أصبح أكثر قابلية لتصديق الصور النمطية عنه. الإنسان يخاف ما لا يعرفه وهو عدو ما يجهل.

عندما لا يعرف أتباع دين ما حقيقة دين آخر، يصبحون أكثر قابلية لتصديق الشائعات عنه. وعندما لا يتعامل الناس مع جماعة اجتماعية مختلفة، يعتمدون على الصور التي تصلهم عنها من الآخرين.

وهنا تظهر أهمية التعليم والتواصل المباشر، فالمعرفة لا تلغي الاختلاف، لكنها تقلل فرص تحويل الاختلاف إلى عداوة، عبر التضليل الذي قد يمارسه المستفيدون من خطاب الكراهية.

اما أخطر أشكال خطاب الكراهية فيكمن في توظيفه سياسياً. ويأتي الاستخدام السياسي عندما تنتفي عند بعض القيادات السياسية اية ذرة ضمير. انه الاجرام الاجتماعي بعينه.

حين تفشل السياسات العامة، قد يكون من الأسهل إلقاء المسؤولية على فئة اجتماعية أو دينية أو قومية. هكذا يتحول الآخر إلى أداة لتفسير كل الأزمات، أي الى كبش فداء.

لقد اظهر تاريخ المجتمعات أن كثيراً من النزاعات سبقتها مرحلة طويلة من الخطاب الذي يصور جماعة معينة باعتبارها خطراً أو عبئاً أو عدواً.

في المحصلة نقول ان مراقبة الخطاب السياسي ليست قضية أخلاقية فقط، بل قضية تتعلق بالأمن المجتمعي، وأحيانا الامن القومي، اذ عندما يُنزَع عن الإنسان بعده الإنساني، يصبح الاعتداء عليه أسهل أخلاقياً ونفسياً. فالمجتمع لا ينتقل عادة من الاختلاف إلى العنف مباشرة، بل يمر بمراحل من التبرير النفسي والاجتماعي.

ولهذا فإن خطاب الكراهية ليس مجرد مشكلة لغوية، بل هو بنية ذهنية وثقافية.

في مواجهة هذا كله، تقدم الأديان تراثاً أخلاقياً واسعاً يمكن أن يشكل أساساً لمواجهة هذه الآفة.

تمتلك الأديان موارد أخلاقية عميقة لمواجهة الكراهية. وهذه المرجعيات، على اختلافها، تلتقي عند حقيقة واحدة: لا يمكن حماية المجتمع إذا تحولت هوية الإنسان إلى سبب لإهدار كرامته.

لقد ورد على لسان السيد المسيح في الموعظة على الجبل ان «أحبوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم». وهذه ليست دعوة إلى قبول الظلم أو التنازل عن الحق، بل إلى رفض أن تتحول مواجهة الشر إلى إعادة إنتاج له.

كما ورد على لسان الرسول العربي ان «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». ومن اللافت هنا الجمع بين اللسان واليد، بين القول والفعل، على اعتبار ان حماية الإنسان تبدأ من الكلمة قبل أن تصل إلى الجسد.

كذلك ورد على لسان الإمام علي مبدأ إنساني بالغ العمق ان الناس «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». فالاختلاف في الدين لا يلغي المساواة في الخلق والكرامة.

وفي التعاليم البوذية، يرد في «الدهامابادا» معنى بالغ الوضوح: لا تُطفأ الكراهية بالكراهية، وإنما تزول بعدم الكراهية.

هذه الدعوة لا تلغي العدالة، لكنها ترفض تحويل الصراع إلى كراهية للإنسان نفسه.

دون الغوص عميقا في التعاليم السماوية، نرى انه على اختلاف السياقات الدينية، هناك تقاطع واضح حول حماية كرامة الإنسان وعدم تحويل الاختلاف إلى مبرر للعداء.

نحو خطة وطنية لمواجهة خطاب الكراهية

قبل مواجهة خطاب الكراهية نرى، كباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وكعاملين في الحوار والتنمية، انه من الضروري إرساء مؤشرات لهذا الخطاب وقياسها، في محاولة للوقوف على استشراء هذه الظاهرة، وحجمها، وبنيتها، مقدمة لمواجهتها.

يمكن رصد الظاهرة من خلال رصد مجموعة مؤشرات، منها:

تكرار التعميم السلبي على جماعة كاملة.

استخدام لغة تنزع الإنسانية عن الآخر.

الدعوة إلى الإقصاء أو التمييز.

تصوير جماعة باعتبارها تهديداً وجودياً.

انتشار الشائعات المرتبطة بالهوية الدينية أو العرقية أو السياسية.

ارتفاع المحتوى التحريضي على وسائل التواصل.

تكرار خطاب التخوين الجماعي.

انتقال الخطاب من النقد إلى التحريض على العقاب أو العنف.

ان توفر هذه المؤشرات يسمح بالانتقال من الانطباعات العمومية إلى التشخيص العلمي، اذ لا يكفي أن ندين خطاب الكراهية أخلاقياً، رغم أهمية الموعظة الحسنة، ولكن المطلوب استراتيجية وطنية متعددة المستويات.

ماذا يمكن ان تكون مكونات خطة وطنية شاملة لمواجهة الكراهية والأبلسة والخطاب الناتج عنهما؟

أولاً، يجب إدخال التربية على التنوع والحوار والتفكير النقدي ضمن المناهج التربوية. فالمدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل إما قبول الاختلاف أو الخوف منه. العلم في الصغر كالنقش في الحجر.

ثانياً، يجب تطوير برامج للتربية الإعلامية والرقمية، بحيث يتعلم الشباب التحقق من المعلومات، وفهم آليات التضليل، والتمييز بين المعلومة والإشاعة وعدم المشاركة في نشر المحتوى التحريضي.

ثالثاً، يجب إنشاء مرصد وطني مستقل لخطاب الكراهية يتولى رصد الظاهرة وتحليلها وإصدار تقارير دورية حول مصادرها واتجاهاتها. كذلك عليه ان يتعاون مع الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني والمنصات الرقمية.

رابعاً، ينبغي تطوير ميثاق أخلاقي للإعلام يتضمن قواعد واضحة لتغطية النزاعات والقضايا الدينية والطائفية والسياسية وتجنب التعميم واللغة التي تنزع الإنسانية عن الجماعات.

خامساً، تضطلع القيادات الدينية مسؤولية مراجعة الخطاب الديني وتنقيته من العبارات التي تحقر المختلف أو تنزع عنه شرعيته الإنسانية. حماية كرامة المختلف لا تعني التنازل عن العقيدة، بل تعني التمييز بين الثبات على الإيمان وبين تحويل الاختلاف العقائدي إلى عداوة إنسانية.

سادساً، تقع على القيادات السياسية مسؤولية الامتناع عن توظيف الخوف والانقسام لتحقيق مكاسب انتخابية أو شعبية. ان الكلمة الصادرة عن صاحب السلطة أكثر قدرة على إشعال المجتمع أو تهدئته، لذلك عليه ان يفصل بوضوح بين المنافسة السياسية المشروعة وبين أبلسة الخصوم.

سابعاً، يجب تطوير إطار قانوني دقيق يفرق بين حرية التعبير والتحريض المباشر على العنف أو التمييز. فمكافحة خطاب الكراهية لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لقمع النقد أو المعارضة.

ثامناً، يجب إشراك الجامعات والمراكز البحثية والمجتمع المدني في دراسة الظاهرة وقياسها وتطوير أدوات تدخل مبنية على المعرفة.

من هذا المنطلق، ما هي التحديات التي يراها مجلس كنائس الشرق الأوسط، وما هو الدور الذي يضطلع به في مواجهة خطاب الكراهية؟

يعلمنا السيد المسيح درساً في مثل السامري الصالح حيث كان العبرانيون يعتبرون السامريين شياطيناً، وأنجاساً، وخونة. لكن المسيح جعل من السامري "المُأبلَس" نموذجاً للرحمة. وكأنه يقول لنا: الذي تعتبره شيطاناً قد يكون أقرب إلى الله منك. كذلك تقول الآية الكريمة "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

لقد كان المجلس السباق الى الحوار منذ تأسيسه في السبعينات من القرن الماضي، وقد كان فاعلا جدا في هذا المجال. كذلك، فان العمل الاغاثي والتنموي الذي يقوم به هو وسيلة حوار وتقارب أيضا بين مكونات المجتمع، اذ ان العمل الميداني التنموي المشترك والنضال الاجتماعي الجماعي يقربان الناس ويوحدانها حول قضايا مشتركة.

اما خارج إطار اعمال الإغاثة والتنمية، فان عملنا في الحوار والمصالحة يندرج تحت الأبواب الثلاثة التالية من ضمن دائرة خاصة تهتم بالحوار والتماسك الاجتماعي وتأهيل الكرامة الإنسانية ومنظومة القيم والرأسمال الاجتماعي:

المساحات الدينية المشتركة في الشرق الأوسط حيث ندأب على اظهار ما هو مشترك في معتقداتنا الدينية في هذه المنطقة – وقد اضفنا اليها فصلا كبيرا حول المساحات الثقافية المشتركة من اجل تظهير الوحدة القيمية الثقافية التي تجمعنا.

محاربة الأبلسة وخطاب الكراهية، وهذا المؤتمر الإقليمي هو جزء من هذا المسار.

سباقون في الاخوة الإنسانية، هي برامج نظهر عبرها التماسك الاجتماعي والتناضج بين الناس الذين يجعلونهم في حالة من الاخوة الراقية العصية على كل محاولات الفتنة.

الخلاصة

الكراهية ليست ظاهرة تولد فجأة. إنها مسار يبدأ بصورة ذهنية، ثم يتحول خطاباً وموقفا، ثم ممارسة. انها ليست امرا واقعاً، بل امراً مفعولا، ولذا يجب أن تبدأ المواجهة قبل ظهور العنف.

مواجهة خطاب الكراهية تعني إعادة الاعتبار إلى الإنسان قبل هويته، وإلى الحقيقة قبل الشائعة، وإلى الحوار قبل الإدانة، والمطلوب ليس مجتمعاً بلا خلاف، فهذا امر مستحيل، بل

مجتمع يمتلك ثقافة إدارة الخلاف والتنوع.

المطلوب مجتمع يستطيع أن يختلف دون أن يكره، وأن ينتقد دون أن يُأبلس، وأن يدافع عن معتقده دون أن يهين معتقد الآخر.

ان أهم معيار لنجاحنا في هذه المعركة ليس عدد القوانين التي نصدرها، بل قدرتنا على بناء ثقافة ترى الإنسان في الآخر حتى عندما نختلف مع، لأنه في اللحظة التي نتوقف فيها عن رؤية إنسانية الآخر يبدأ فيها المسير نحو العنف. أما عندما نصون إنسانية الآخر، فإننا نكون قد قطعنا الخطوة الأولى والأهم في بناء السلم الأهلي، والمجتمع السوي والمستقر والمزدهر.

الحضور الكرام،

سوف يذكر التاريخ ان نخبة من المفكرين والباحثين العرب، المعنيين بمصير وطنهم، قد اجتمعوا على ارض الكنانة، وأصدروا وثيقة سوف تشكل مرجعاً وقائياً ضد التمزق والشرذمة، لأجيال لم تولد بعد.

الا بارك الرب اعمال هذا المؤتمر، وخدمة المشاركين فيه، من اجل تآلف القلوب وصيانة الكرامة الإنسانية وإعادة تأهيل الرأسمال الاجتماعي الضامن لغد أفضل.

انه العليم الحكيم، وهو ولي التوفيق، ويده مع الجماعة.

#نختار_الحياة_معاً

Previous
Previous

كلمة رئيس الطائفة الانجيلية في مصر القس د. أندريه زكي

Next
Next

كلمة منسقة برنامج الحوار والتماسك الاجتماعي وحفظ الكرامة الانسانية في مجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسورة لور أبي خليل