كلمة منسقة برنامج الحوار والتماسك الاجتماعي وحفظ الكرامة الانسانية في مجلس كنائس الشرق الأوسط البروفسورة لور أبي خليل
في افتتاح المؤتمر الاقليمي: "مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الانسانية والحياة معًا"
المنعقد في جمهورية مصر العربية
أَصْحابَ الغِبْطَةِ وَالنِّيافَةِ وَالسَّماحَةِ وَالفَضيلَةِ،
أَصْحابَ المَعالي وَالسَّعادَةِ،
الزَّميلاتِ وَالزُّمَلاءَ الباحِثينَ وَالمُفَكِّرينَ،
أَيُّهَا الحُضورُ الكَريمُ،
يَسْعَدُني أَنْ أُرَحِّبَ بِكُمْ، بِصِفَتي مُنَسِّقَةَ بَرْنامَجِ الحِوارِ وَالتَّماسُكِ الاجْتِماعِيِّ وَحِفْظِ الكَرامَةِ الإِنْسانِيَّةِ في مَجْلِسِ كَنائِسِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، في هٰذا المُؤْتَمَرِ الإِقْليميِّ الَّذي يَطْرَحُ قَضيَّةً باتَتْ تَمَسُّ اسْتِقْرارَ مُجْتَمَعاتِنا وَأَمْنَها وَتَماسُكَها بِصُورَةٍ مُباشِرَة، وَهِيَ قَضيَّةُ خِطابِ الكَراهِيَةِ وَعَلاقَتِهِ بِالتَّطَرُّفِ العَنيف.
لِذٰلِكَ، أَرَدْناهُ مَساحَةً عِلْمِيَّةً وَفِكْرِيَّةً تَجْمَعُ باحِثينَ وَمُفَكِّرينَ مِنْ تَجارِبَ عَرَبِيَّةٍ مُتَعَدِّدَة، وَتَفْتَحُ نِقاشًا جَدِّيًّا حَوْلَ مَسْؤُولِيَّةِ الدَّوْلَةِ وَالمُؤَسَّساتِ وَالمُجْتَمَعِ في مُواجَهَةِ ظاهِرَةٍ لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا تَأْجيلُ مُواجَهَتِها.
فَنَحْنُ لا نَجْتَمِعُ اليَوْمَ لِنُناقِشَ كَلِماتٍ عابِرَةً تُقالُ ثُمَّ تُنْسى؛ نَحْنُ نُناقِشُ كَلِماتٍ قَدْ تَبْدَأُ عَلى شاشَةِ هاتِف، وَتَنْتَهي خَوْفًا في الشّارِع، أَوِ انْقِسامًا داخِلَ المُجْتَمَعِ، أَوْ عُنْفًا قَدْ يُراقُ بَسَبَبِهِ الدَّم.
لا شَكَّ في أَنَّ خِطابَ الكَراهِيَةِ قَديمٌ في بَعْضِ أَشْكالِه، لٰكِنَّهُ اكْتَسَبَ اليَوْمَ خَصائِصَ أَشَدَّ خُطورَةً بِفِعْلِ الأَزَماتِ الَّتي تَعيشُها مِنْطَقَتُنا، وَاتِّساعِ الفَضاءِ الرَّقْمِيِّ، وَسُرْعَةِ انْتِقالِ الأَفْكارِ وَالصُّوَرِ وَالمَعْلومات.
فَالكَلِمَةُ الَّتي كانَتْ تَبْقى مَحْصورَةً في نِطاقٍ ضَيِّقٍ، أَصْبَحَتْ تَصِلُ خِلالَ ثَوانٍ إِلى مَلايينَ الأَشْخاص، وَتُساهِمُ في تَشْكيلِ المَواقِفِ وَالانْتِماءاتِ وَالصُّوَرِ النَّمَطِيَّةِ، وَلا سِيَّما لَدَى الشَّبابِ. كَما أَنَّ المِنَصّاتِ الرَّقْمِيَّةَ وَالخَوارِزْمِيّاتِ وَتَطْبيقاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ لا تَنْقُلُ الخِطابَ فَحَسْبُ، بَلْ قَدْ تُسْهِمُ في تَوْسيعِ نِطاقِهِ، وَتَكْرارِهِ، وَتَوْجيهِهِ نَحْوَ فِئاتٍ مُحَدَّدَة.
وَالمَعْرَكَةُ اليَوْمَ لَيْسَتْ فَقَطْ عَلى الأَرْض؛ إِنَّها أَيْضًا مَعْرَكَةٌ عَلى الوَعْيِ، وَعَلى ذاكِرَةِ الأَجْيال، وَعَلى الطَّريقَةِ الَّتي يَرى بِها الإِنْسانُ نَفْسَهُ، وَيَرى بِها المُخْتَلِفَ عَنْه.
تَكْمُنُ خُطورَةُ هٰذِهِ الظّاهِرَةِ في أَنَّ الكَراهِيَةَ لا تَبْقى كَلامًا.
فَعِنْدَما يَتَكَرَّرُ وَصْفُ جَماعَةٍ بِأَنَّها خَطَر، أَوْ يَجْري تَحْميلُ فِئَةٍ كامِلَةٍ مَسْؤُولِيَّةَ أَزْمَةٍ سِياسِيَّةٍ أَوِ اقْتِصادِيَّةٍ أَوِ اجْتِماعِيَّة، يُصْبِحُ التَّمْييزُ ضِدَّها مَقْبولًا تَدْريجِيًّا، ثُمَّ يُصْبِحُ اسْتِبْعادُها مُبَرَّرًا، وَقَدْ يَتَحَوَّلُ التَّحْريضُ عَلَيْها إِلى عُنْف.
فَالكَلِمَةُ لا تَقْتُلُ وَحْدَها، لٰكِنَّها قَدْ تَصْنَعُ المَناخَ الَّذي يُصْبِحُ فيهِ القَتْلُ مَقْبولًا، وَقَدْ تُهَيِّئُ الضَّميرَ لِتَبْريرِ ما كانَ يَرْفُضُهُ بِالأَمْس.
وَأَخْطَرُ ما يَفْعَلُهُ خِطابُ الكَراهِيَةِ لَيْسَ أَنَّهُ يَجْعَلُنا نَكْرَهُ الآخَرَ فَحَسْب، بَلْ أَنَّهُ يَجْعَلُنا نَتَوَقَّفُ تَدْريجِيًّا عَنْ رُؤْيَتِهِ إِنْسانًا يُشْبِهُنا في حَقِّهِ في الحَياةِ وَالكَرامَةِ وَالأَمْن.
مِنْ هُنا، لا يُمْكِنُ الفَصْلُ بَيْنَ الكَلِمَةِ وَالسُّلوكِ، وَلا بَيْنَ خِطابِ الكَراهِيَةِ وَالتَّطَرُّفِ العَنيف. فَالعُنْفُ لا يَبْدَأُ في اللَّحْظَةِ الَّتي يُسْتَخْدَمُ فيها السِّلاح، بَلْ تَسْبِقُهُ عَمَلِيَّةٌ طَويلَةٌ يُجْرى خِلالَها تَشْويهُ صُورَةِ الآخَرِ، وَإِنْكارُ حُقوقِهِ، وَإِخْراجُهُ مِنْ دائِرَةِ المُواطَنَةِ وَالانْتِماء.
وَعِنْدَما يَصِلُ الشّابُّ إِلى السِّلاحِ، نَكونُ في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيانِ قَدْ تَأَخَّرْنا؛ لِأَنَّ التَّطَرُّفَ يَبْدَأُ قَبْلَ السِّلاحِ بِوَقْتٍ طَويلٍ: يَبْدَأُ بِفِكْرَةٍ، ثُمَّ بِصُورَةٍ نَمَطِيَّةٍ، ثُمَّ بِعُزْلَةٍ، ثُمَّ بِكَراهِيَةٍ، حَتّى يُصْبِحَ العُنْفُ مُمْكِنًا وَقابِلًا لِلتَّبْرير.
إِنَّ التَّعامُلَ مَعَ التَّطَرُّفِ بِاعْتِبارِهِ مُشْكِلَةً أَمْنِيَّةً فَقَطْ لَمْ يَعُدْ كافِيًا. فَالإِجْراءاتُ الأَمْنِيَّةُ ضَرورِيَّةٌ لِحِمايَةِ المُجْتَمَعِ، لٰكِنَّها غالِبًا ما تَتَدَخَّلُ بَعْدَ ظُهورِ الخَطَر.
أَمّا الوِقايَةُ الحَقيقيَّةُ، فَتَبْدَأُ قَبْلَ ذٰلِكَ: مِنْ دِراسَةِ البِيئَةِ الَّتي تَسْمَحُ بِانْتِشارِ الكَراهِيَةِ، وَمِنْ مُعالَجَةِ الشُّعورِ بِالظُّلْمِ وَالتَّهْميشِ، وَضَعْفِ الثِّقَةِ بِالمُؤَسَّساتِ، وَتَراجُعِ فُرَصِ المُشارَكَةِ، وَاسْتِغْلالِ الدِّينِ أَوِ الهُوِيَّةِ في الصِّراعاتِ السِّياسِيَّة.
وَهِيَ تَتَطَلَّبُ أَيْضًا مُراجَعَةَ السِّياساتِ التَّعْليميَّةِ وَالإِعْلامِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ، لِأَنَّ المُؤَسَّساتِ الَّتي يُفْتَرَضُ أَنْ تَبْنيَ المُواطِنَ قَدْ تَتَحَوَّلُ، إِذا غابَتْ عَنْها المَسْؤُولِيَّةُ، إِلى ساحاتٍ لِإِعادَةِ إِنْتاجِ الانْقِسام.
لِهٰذا، نَرى أَنَّ مُواجَهَةَ خِطابِ الكَراهِيَةِ وَالوِقايَةَ مِنَ التَّطَرُّفِ العَنيفِ يَجِبُ أَنْ تُوضَعا عَلى الأَجَنْدَةِ العامَّة؛ أَيْ أَنْ تَعْتَرِفَ الدَّوْلَةُ بِوُجودِ المُشْكِلَة، وَأَنْ تُحَدِّدَ مَوْقِعَها بَيْنَ الأَوْلَوِيّات، وَأَنْ تَنْقُلَها مِنْ دائِرَةِ الاهْتِمامِ المَوْسِمِيِّ إِلى مَجالِ السِّياساتِ العامَّةِ
لا يَكْفي أَنْ نُصْدِرَ مَوْقِفًا بَعْدَ حادِثَةِ عُنْفٍ، أَوْ أَنْ نُنَظِّمَ حَمْلَةً عِنْدَ تَصاعُدِ التَّحْريض. المَطْلوبُ سِياسَةٌ تُحَدِّدُ الجِهَةَ المَسْؤُولَةَ، وَالمَوارِدَ اللّازِمَةَ، وَأَدَواتِ التَّدَخُّلِ، وَآلِيّاتِ التَّنْسيقِ وَالمُتابَعَةِ وَالتَّقْويم.
فَالدُّوَلُ لا تُخْتَبَرُ فَقَطْ بِقُدْرَتِها عَلى مُواجَهَةِ العُنْفِ بَعْدَ وُقوعِه، بَلْ بِقُدْرَتِها عَلى مَنْعِ وِلادَةِ الظُّروفِ الَّتي تَجْعَلُ العُنْفَ مُمْكِنًا.
وَكُلُّ يَوْمٍ تَتَأَخَّرُ فيهِ السِّياساتُ العامَّةُ عَنْ مُواجَهَةِ الكَراهِيَةِ، يَتْرُكُ مَساحَةً أَكْبَرَ لِمَنْ يُريدُ تَحْويلَ الخَوْفِ إِلى تَحْريض، وَالتَّحْريضِ إِلى انْقِسامٍ، وَالانْقِسامِ إِلى عُنْف.
تَأْتي أَهَمِّيَّةُ مُشارَكَةِ الباحِثينَ وَالمُفَكِّرينَ مِنْ لُبْنانَ وَمِصْرَ وَالعِراقِ وَسورِيا وَالأُرْدُنِّ وَتونِسَ مِنْ تَنَوُّعِ السِّياقاتِ الَّتي يُمَثِّلونَها.
فَفي هٰذِهِ البُلْدانِ خِبْراتٌ مُخْتَلِفَةٌ في إِدارَةِ التَّعَدُّدِ الدِّينِيِّ وَالطّائِفِيِّ وَالإِثْنِيِّ، وَفي مُواجَهَةِ النِّزاعاتِ وَالإِرْهابِ وَالتَّفَكُّكِ الاجْتِماعِيِّ، وَفي البَحْثِ عَنْ صِيَغٍ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلى تَعْزيزِ المُواطَنَةِ وَبِناءِ الدَّوْلَة.
وَنَحْنُ لا نَسْعى إِلى وَضْعِ هٰذِهِ التَّجارِبِ في قالَبٍ واحِدٍ، لِأَنَّ لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ تاريخَهُ وَبِنْيَتَهُ السِّياسِيَّةَ وَمَصادِرَ تَوَتُّرِه. لٰكِنَّ المُقارَنَةَ بَيْنَها تَسْمَحُ لَنا بِفَهْمِ العَناصِرِ المُشْتَرَكَةِ، وَالاسْتِفادَةِ مِنَ الخِبْراتِ النّاجِحَةِ، وَتَجَنُّبِ نَقْلِ حُلولٍ جاهِزَةٍ لا تَنْسَجِمُ مَعَ الواقِعِ المَحَلِّيّ.
يُقَدِّمُ لُبْنانُ خِبْرَةً طَويلَةً وَمُعَقَّدَةً في التَّعَدُّدِيَّةِ وَفي هَشاشَةِ التَّوازُناتِ الَّتي تَحْكُمُها. وَتَمْتَلِكُ مِصْرُ مُؤَسَّساتٍ دِينِيَّةً وَتَعْليميَّةً وَمَدَنِيَّةً لَها تَأْثيرٌ واسِعٌ في تَكْوينِ الرَّأْيِ العامّ. أَمّا العِراقُ وَسورِيا فَقَدْ راكَما، بِسَبَبِ الحُروبِ وَالنِّزاعاتِ، مَعْرِفَةً مُباشِرَةً بِكَيْفِيَّةِ انْهِيارِ الرَّوابِطِ الاجْتِماعِيَّةِ وَبِمَدى صُعوبَةِ إِعادَةِ بِناءِ الثِّقَة.
وَيُقَدِّمُ الأُرْدُنُّ خِبْراتٍ مُهِمَّةً في مَجالِ الوِقايَةِ وَالتَّماسُكِ المُجْتَمَعِيِّ، فيما تَطْرَحُ التَّجْرِبَةُ التّونِسِيَّةُ أَسْئِلَةً أَساسِيَّةً حَوْلَ الدَّوْلَةِ وَالمُواطَنَةِ وَالتَّحَوُّلِ الاجْتِماعِيّ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ خِطَابِ الْكَرَاهِيَةِ مِنْ دُونِ أَنْ نَقِفَ عِنْدَ فِلَسْطِينَ؛ حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الْكَرَاهِيَةُ خِطَابًا يُقَالُ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى قَتْلٍ وَتَهْجِيرٍ وَتَدْمِيرٍ وَنَزْعٍ لِإِنْسَانِيَّةِ شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ. فِلَسْطِينُ تُذَكِّرُنَا الْيَوْمَ بِأَنَّ أَخْطَرَ مَا فِي خِطَابِ الْكَرَاهِيَةِ هُوَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَتَحَوَّلُ فِيهَا الْكَلِمَةُ إِلَى رَصَاصَةٍ، وَالتَّحْرِيضُ إِلَى عُنْفٍ، وَنَزْعُ إِنْسَانِيَّةِ الْآخَرِ إِلَى تَبْرِيرٍ لِقَتْلِهِ. وَمِنْ هُنَا، تَحْمِلُ الْخِبْرَةُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ إِلَى مُؤْتَمَرِنَا رِسَالَةً لَا تَحْتَمِلُ الصَّمْتَ: الدِّفَاعُ عَنْ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ يَبْدَأُ بِرَفْضِ تَجْرِيدِهِ مِنْ إِنْسَانِيَّتِهِ، أَيًّا كَانَ وَأَيْنَمَا كَانَ.
وَمَا نَشْهَدُهُ فِي فِلَسْطِينَ لَمْ يَبْقَ مَحْصُورًا دَاخِلَ حُدُودِهَا؛ فَالْمَشْهَدُ نَفْسُهُ امْتَدَّ إِلَى جَنُوبِ لُبْنَانَ، حَيْثُ يَتَكَرَّرُ اسْتِهْدَافُ الْإِنْسَانِ وَالْأَرْضِ وَالْبَيْتِ، وَكَأَنَّ الْجُغْرَافِيَا تَتَغَيَّرُ، فِيمَا مَنْطِقُ الْعُنْفِ وَنَزْعِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَاحِدٌ.
وَمَا يَجْرِي فِي لُبْنَانَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى اسْتِهْدَافٍ عَسْكَرِيٍّ لِمَوَاقِعَ مُحَدَّدَةٍ، بَلْ يَطَالُ الْإِنْسَانَ وَالْأَرْضَ وَالْمَسْكَنَ وَمُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ، كَمَا أَشَرْتُ سَابِقًا، فِي مَشْهَدٍ يَتَوَاصَلُ أَمَامَ الْمُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ وَسْطَ صَمْتٍ يَطْرَحُ أَسْئِلَةً جِدِّيَّةً حَوْلَ فَاعِلِيَّةِ مَنْظُومَةِ الْحِمَايَةِ الدَّوْلِيَّةِ وَقُدْرَتِهَا عَلَى إِنْفَاذِ قَوَاعِدِ الْقَانُونِ الدَّوْلِيِّ الْإِنْسَانِيِّ.
إِنَّ جَمْعَ هٰذِهِ الخِبْراتِ لا يَكْتَسِبُ قِيمَتَهُ مِنْ مُجَرَّدِ وُجودِها في قاعَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ مِنْ قُدْرَتِها عَلى الدُّخولِ في حِوارٍ نَقْدِيٍّ يُنْتِجُ مَعْرِفَةً قابِلَةً لِلاسْتِخْدام.
وَهُنا تَبْرُزُ مَسْؤُولِيَّةُ الباحِثِ وَالمُفَكِّر.
فَنَحْنُ لا نَحْتاجُ إِلى دِراساتٍ تَكْتَفي بِوَصْفِ الظّاهِرَةِ، وَلا إِلى أَرْقامٍ تُوضَعُ في تَقارِيرَ ثُمَّ تُحْفَظُ في الأَرْشيفِ. نَحْتاجُ إِلى بَحْثٍ يُفَسِّرُ كَيْفَ تَتَكَوَّنُ القابِلِيَّةُ لِلتَّطَرُّفِ، وَمَنْ يَسْتَفيدُ مِنْ نَشْرِ الكَراهِيَةِ، وَما الفِئاتُ الأَكْثَرُ عُرْضَةً لِلاسْتِقْطابِ، وَأَيْنَ تُخْفِقُ المُؤَسَّساتُ القائِمَة.
وَنَحْتاجُ إِلى مَعْرِفَةٍ تَحْفَظُ اسْتِقْلالَها العِلْمِيَّ، لٰكِنَّها لا تَنْفَصِلُ عَنْ حاجاتِ المُجْتَمَع.
فَالمَعْرِفَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَالصَّمْتُ الأَكاديميُّ أَمامَ خِطابٍ يَهْدِمُ المُجْتَمَعَ لا يَكونُ دائِمًا حِيادًا؛ فَفي بَعْضِ اللَّحَظاتِ، قَدْ يَتَحَوَّلُ الصَّمْتُ نَفْسُهُ إِلى فَراغٍ يَمْلَؤُهُ المُتَطَرِّفون.
فَدَوْرُ الجامِعَةِ وَمَراكِزِ الأَبْحاثِ لا يَنْتَهي عِنْدَ تَشْخيصِ المُشْكِلَةِ، بَلْ يَشْمَلُ تَقْديمَ البَدائِلِ لِصانِعِ القَرارِ، وَتَقْويمَ السِّياساتِ بَعْدَ تَطْبيقِها.
وَالجامِعَةُ الَّتي تَكْتَفي بِتَخْريجِ أَصْحابِ شَهاداتٍ، مِنْ دونِ أَنْ تُسْهِمَ في بِناءِ مُواطِنٍ قادِرٍ عَلى قَبولِ الاخْتِلافِ وَاحْتِرامِ الكَرامَةِ الإِنْسانِيَّةِ، تَكونُ قَدْ أَدَّتْ جُزْءًا مِنْ رِسالَتِها، وَتَخَلَّتْ عَنْ جُزْءٍ أَساسِيٍّ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِها.
إِنَّ انْتِقالَ نَتائِجِ هٰذا المُؤْتَمَرِ إِلى تَوْصِياتٍ لَيْسَ مَسْأَلَةً تَنْظيمِيَّةً تُضافُ إِلى الجَلْسَةِ الخِتامِيَّةِ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الهَدَفِ العِلْمِيِّ نَفْسِه.
وَالتَّوْصِيَةُ الجادَّةُ يَجِبُ أَنْ تَكونَ مُحَدَّدَةً: ما المُشْكِلَةُ الَّتي تُعالِجُها؟ مَنْ هِيَ الجِهَةُ المَسْؤُولَةُ عَنْ تَنْفيذِها؟ ما المُدَّةُ الزَّمَنِيَّةُ المَطْلوبَةُ؟ وَما المُؤَشِّراتُ الَّتي تَسْمَحُ بِقِياسِ أَثَرِها؟
أَمّا التَّوْصِياتُ العامَّة، عَلى أَهَمِّيَّتِها الأَخْلاقِيَّةِ، فَلا تَكْفي لِبِناءِ سِياسَةٍ عامَّة، لِأَنَّها لا تُحَدِّدُ المَسْؤُولِيَّةَ وَلا تَسْمَحُ بِالمُحاسَبَة.
وَعَلَيْهِ، نَطْمَحُ إِلى أَنْ تُساهِمَ مُناقَشاتُ هٰذا المُؤْتَمَرِ في وَضْعِ أُسُسٍ لاسْتِراتيجيّاتٍ وَطَنِيَّةٍ وَإِقْليميَّةٍ تَقومُ عَلى الوِقايَةِ المُبَكِّرَةِ، وَتَعْزيزِ المُواطَنَةِ وَالعَدالَةِ الاجْتِماعِيَّةِ، وَتَطْويرِ المَناهِجِ التَّعْليميَّةِ، وَتَأْهيلِ العامِلينَ في المُؤَسَّساتِ الدِّينِيَّةِ وَالإِعْلامِيَّةِ، وَدَعْمِ قُدُراتِ الرَّصْدِ وَالتَّحْليلِ في الفَضاءِ الرَّقْمِيّ.
كَما يَفْتَرِضُ أَنْ تَتَضَمَّنَ هٰذِهِ الاسْتِراتيجيّاتُ آلِيّاتٍ لِحِمايَةِ ضَحايا التَّحْريضِ، وَبَرامِجَ مُوَجَّهَةً إِلى الشَّبابِ، وَتَعاوُنًا مُسْتَمِرًّا بَيْنَ الحُكوماتِ وَالجامِعاتِ وَالمُؤَسَّساتِ الدِّينِيَّةِ وَالإِعْلامِ وَالمُجْتَمَعِ المَدَنِيّ.
وَلا يُمْكِنُ ضَمانُ الاسْتِمْرارِيَّةِ مِنْ دونِ إِطارٍ لِلْمُتابَعَةِ. لِذٰلِكَ، تَبْرُزُ الحاجَةُ إِلى شَبَكَةٍ إِقْليميَّةٍ تَرْبِطُ الباحِثينَ وَالمُؤَسَّساتِ المُشارِكَةَ، وَتَعْمَلُ عَلى تَبادُلِ المَعْلوماتِ، وَإِعْدادِ أَوْراقِ سِياساتٍ دَوْرِيَّةٍ، وَتَطْويرِ مُؤَشِّراتٍ لِلْإِنْذارِ المُبَكِّرِ، وَمُتابَعَةِ مَدى الْتِزامِ الجِهاتِ المَعْنِيَّةِ بِالتَّوْصِيات.
فَنَجاحُ المُؤْتَمَرِ لا يُقاسُ بِعَدَدِ أَوْراقِهِ، وَلا بِعَدَدِ الحاضِرينَ فيهِ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ، بَعْدَ انْتِهاءِ جَلَساتِهِ، عَلى التَّأْثيرِ في طَريقَةِ تَعْريفِ المُشْكِلَة، وَفي القَراراتِ الَّتي تُتَّخَذُ بِشَأْنِها.
أَيُّهَا الحُضورُ الكَريم،
إِنَّنا في النِّهايَةِ لا نُدافِعُ فَقَطْ عَنْ حَقِّ جَماعَةٍ في أَلّا تُهان، بَلْ نُدافِعُ عَنْ حَقِّ مُجْتَمَعاتِنا في أَلّا تَتَحَوَّلَ إِلى ساحاتٍ يَتَعَلَّمُ فيها أَبْناؤُنا الخَوْفَ مِنْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
إِنَّ خِطابَ الكَراهِيَةِ لَيْسَ شَأْنًا يَخُصُّ الفِئَةَ المُسْتَهْدَفَةَ وَحْدَها؛ إِنَّهُ يُهَدِّدُ المُجْتَمَعَ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ يَضْرِبُ مَبْدَأَ المُساواةِ، وَيُضْعِفُ الثِّقَةَ بِالدَّوْلَةِ، وَيَجْعَلُ العُنْفَ قابِلًا لِلتَّبْرير.
وَعِنْدَما يَشْعُرُ مُواطِنٌ بِأَنَّ كَرامَتَهُ وَحُقوقَهُ تَتَوَقَّفُ عَلى طائِفَتِهِ، أَوْ دِينِهِ، أَوْ قَوْمِيَّتِهِ، أَوْ هُوِيَّتِهِ، أَوْ مَوْقِفِهِ السِّياسِيِّ، فَإِنَّنا لا نَكونُ أَمامَ أَزْمَةِ خِطابٍ فَحَسْبُ، بَلْ أَمامَ خَلَلٍ في مَفْهومِ الدَّوْلَةِ وَفي العَقْدِ الَّذي يَجْمَعُ أَبْناءَها.
مِنْ هُنا، أَتَوَجَّهُ إِلى صُنّاعِ القَرارِ بِدَعْوَةٍ واضِحَة:
لا تَنْتَظِروا الضَّحِيَّةَ كَيْ تَعتَرِفوا بِخُطورَةِ الخِطابِ، وَلا تَنْتَظِروا العُنْفَ كَيْ تَبْدَأوا الوِقايَة.
فَعِنْدَما تَتَحَوَّلُ الكَراهِيَةُ إِلى رَصاصَةٍ، أَوِ اعْتِداءٍ، أَوِ اقْتِتالٍ، تَكونُ مُؤَسَّساتُ الدَّوْلَةِ قَدْ وَصَلَتْ مُتَأَخِّرَة.
إِنَّ إِدْراجَ مُواجَهَةِ خِطابِ الكَراهِيَةِ وَالتَّطَرُّفِ العَنيفِ عَلى الأَجَنْدَةِ العامَّةِ لَمْ يَعُدْ تَرَفًا سِياسِيًّا، وَلا مَوْضوعًا ثانَوِيًّا يُمْكِنُ تَأْجيلُهُ أَمامَ أَزَماتٍ أُخْرى. إِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الأَمْنِ الوَطَنِيِّ، وَمِنْ حِمايَةِ السِّلْمِ الأَهْلِيِّ، وَمِنْ حِمايَةِ الدَّوْلَةِ نَفْسِها.
فَالدَّوْلَةُ الَّتي تَعْجِزُ عَنْ حِمايَةِ كَرامَةِ مُواطِنيها مِنَ التَّحْريضِ وَالتَّمْييز، تَتْرُكُ شَرْخًا يُمْكِنُ لِكُلِّ مُتَطَرِّفٍ أَنْ يَدْخُلَ مِنْهُ.
المَطْلوبُ أَنْ تَسْتَمِعَ السُّلْطَةُ إِلى المَعْرِفَةِ العِلْمِيَّةِ، وَأَنْ تُوَفِّرَ لِلْوِقايَةِ تَشْريعاتٍ مُتَوازِنَةً، وَتَمْويلًا كافِيًا، وَآلِيّاتِ تَنْفيذٍ وَمُتابَعَةٍ وَمُحاسَبَة.
فَالوِقايَةُ قَدْ تَكونُ مُكْلِفَةً، نَعَمْ؛ لٰكِنَّ الكَراهِيَةَ أَكْثَرُ كُلْفَةً، وَالانْقِسامُ أَكْثَرُ كُلْفَةً، وَإِعادَةُ بِناءِ الثِّقَةِ بَعْدَ انْهِيارِها قَدْ تَحْتاجُ إِلى جيلٍ كامِل.
وَقَدْ لا نَسْتَطيعُ أَنْ نَمْنَعَ كُلَّ كَلِمَةِ كَراهِيَةٍ مِنْ أَنْ تُقال، لٰكِنَّنا نَسْتَطيعُ أَنْ نَبْنيَ مُجْتَمَعًا لا تَجِدُ فيهِ هٰذِهِ الكَلِمَةُ أَرْضًا خِصْبَةً تَتَحَوَّلُ فَوْقَها إِلى عُنْف.
وَفي الخِتامِ، أَتَوَجَّهُ بِالشُّكْرِ إِلى المُؤَسَّساتِ المُنَظِّمَةِ وَالشَّريكَةِ، وَإِلى الباحِثاتِ وَالباحِثينَ وَالمُفَكِّرينَ الَّذينَ شارَكوا في إِعْدادِ هٰذا المَسارِ وَإِغْنائِه.
وَآمُلُ أَنْ يَقودَ هٰذا المُؤْتَمَرُ إِلى تَوْصِياتٍ تَسْتَفيدُ مِنْها الدُّوَلُ وَالمُؤَسَّساتُ، وَأَنْ يُشَكِّلَ بِدايَةً لِتَعاوُنٍ عِلْمِيٍّ وَإِقْليميٍّ لا يَنْتَهي بِانْتِهاءِ هٰذا اللِّقاءِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ مِنْ خِلالِ البَحْثِ وَالمُتابَعَةِ وَالعَمَلِ المُشْتَرَك.
أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ، وَمَعَ أَطْيَبِ التَّمَنِّياتِ لِأَعْمالِ مُؤْتَمَرِنا بِالنَّجاحِ وَالتَّوْفيق.
وَشُكْرًا لَكُمْ.
#نختار_الحياة_معًا