الطوباوي الأب بشارة أبو مراد
أب وراعي وخادم أمين لكنيسة المسيح، مسيرة حياة مكلّلة بالقداسة
إعلام مجلس كنائس الشرق الأوسط
من حيّ مار الياس المخلصيّة، تنطلق رحلة قداسة جديدة، حيث تشهد الكنيسة في لبنان والعالم حدثًا كنسيًّا يرسّخ الإيمان ويعزّز الرجاء المتجدّد. تطويب الأب بشارة أبو مراد يشكّل محطّة روحيّة مشرقة تجسّد شهادة مسيحيّة وطاعة كنسيّة وخدمة إنسانيّة.
الأب بشارة أبو مراد عاش حياة مُفعمة بالصلاة والتقوى والتواضع. لم يكن سوى بركة لدى الكثير من المؤمنين الّذين أعادهم إلى طريق الخلاص. وفي العام 2026، وافق الكرسي الرسولي على تطويبه بعد الإعتراف بأعجوبة نُسبت إلى شفاعته.
بدايات مُفعمة بالصلاة
إنّه سليم جبّور أبو مراد. ولد في 19 أيّار/ مايو 1835 في منطقة زحلة اللّبنانيّة، حيّ مار الياس المخلّصيّة. والده جبّور أبو مراد وأمّه أليصابات القشّ الّتي علّمته على الصلاة والمشاركة في الصلوات الطقسيّة، وهو الثالث من عائلة تألّفت من أربعة بنين وأربع بنات. في 28 حزيران/ يونيو 1835، نال سرَّي العماد والتثبيت في كاتدرائيّة سيّدة النجاة.
وبين 1835 و1874، ترعر الأب بشارة بين المنزل ومدرسة الحيّ وبعدها مدرسة المطران حيث تلقّى دروسه الأولى، وكنيسة مار الياس المجاورة لبيته، الّتي يخدمها الآباء المخلّصيّون. وفي هذه الكنيسة شهد على غيرتهم في الخدمة النفوس وتأثّر بنهج حياتهم حتّى قرّر أن يصبح واحدًا منهم.
من الرهبانيّة إلى الكهنوت
بدأت المسيرة الرهبانيّة للأب بشارة أبو مراد في 5 أيلول/ سبتمبر 1874 حيث توجّه إلى دير المخلّص للترهّب، وذلك بعد أن نال بركة والدَيه خصوصًا موافقة والده الّذي منعه في البداية من دخوله الرهبانيّة. أمّا في 19 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، فدخل سليم ابو مراد الابتداء في دير سيّدة النياح، المجاور لدير المخلّص، ودُعي باسم "بشارة"، وبعد عامين نذر في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1876.
في الحقبة بين 1876 و1883، درس الفلسفة واللّاهوت في مدرسة دير المخلّص. ونظرًا لمدى تقواه وحسن سيرته، سلّمه الرؤساء مسؤوليّة الإهتمام بإخوته الرهبان. وفي آخر سنوات دراسته، لم يقتنع بأن يرتسم شمّاسًا ثمّ كاهنًّا، لأنّه كان يعتبر نفسه دون كرامة الكهنوت العظيمة. وهو الّذي قال "أنا ما جِئتُ إلى الرهبانيّةِ إلّا لأُخلَّصَ نفسي لا لكي أرتسِم".
الّا أنّه في 26 آذار/ مارس 1882، ارتسم شمّاسًا في كنيسة مدرسة دير المخلّص على يد سيادة المطران باسيليوس حجّار. وفي 26 كانون الأوّل/ ديسمبر 1883، ثاني يوم الميلاد، ارتسم كاهنًا على مذبح الربّ في كنيسة دير المخلّص، على يد سيادة المطران باسيليوس حجّار. واتّخذ الشعار الكهنوتي "إنّي أقمتك رقيبًا لهذا الشعب، فكلّ نفس تهلك بسببك، فمن يدك أطلبُها" (حز 3: 17)
بعد وفاة أخواه يوسف ومراد وكذلك أمّه على التوالي، لم يقبل الذهاب إلى زحلة لحضور جنازاتهم، وذلك حبًّا بالتضحية وتتميمًا لوصيّة الربّ "دعِ الموتى يدفنون موتاهم" (لو 9: 20).
وبين 1883 و1891، تعيّن في إكليريكيّة دير المخلّص مُدرِّسًا وراعيًّا ومعرّفًا للإخوة.
خدمة إنسانيّة وروح إيمانيّة
أمّا خدمته الرعويّة فبدأت في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1891 حيث انتقل الأب بشارة إلى دير القمر، معلَمًا في المدرسة الأسقفيّة. وفي أيلول/ سبتمبر 1892، تعيّن كاهنًا لقرى دير القمر: سرجبال، وادي بنحليه، بنويتي، وادي الدير، وادي دير دوريت... فخدم أكثر من 14 قرية من ساحل الدامور إلى أعالي الشوف.
كانت صلاة المسبحة ترافقه دائمًا، وتميّزت خدمته بإتقان الإحتفالات اللّيتورجيّة، مرافقة المتوانين عن الحضور إلى الكنيسة، مرافقة المرضى والاهتمام بالسجناء، مساعدة الفقراء، سماع الإعترافات لساعات طويلة. كما عمل على بناء كنيسة سيّدة البشارة ومدرسة لتعليم الصغار بقربها.
في 4 كانون الأوّل/ ديسمبر 1922، نُقل إلى كاتدرائيّة القدّيس نيقولاوس في صيدا، فقضى هناك خمسة أعوام جاهد خلالها صائمًا مصليًا وخادمًا وواعظًا ومعرّفًا، لا سيّما لتلاميذ المدارس ولأخويّات المنطقة.
أيّام أخيرة متوّجة بالقداسة
الحقبة الأخيرة من حياته كانت في دير المخلّص حيث عاد إليه في 27 شباط/ فبراير 1927 شيخًا جليلًا أثقله المرض، ليقضي فيه آخر أيّامه في الإختلاء والصلاة والتأمّل .
وفي 22 شباط/ فبراير 1930، سبت الأموات، رقد الأب بشارة أبو مراد عند السادسة والنصف صباحًا، وأقيمت له جنازة حافلة حيث دُفن في قبر خاصّ حُفر في الجدار الجنوبيّ لكنيسة دير المخلّص.
وهكذا شهد دير المخلّص على مسيرة إيمان مكلّلة بالقداسة. مسيرة متوّجة بالإكليل السمواي. ومع تطويب الأب بشارة أبو مراد، تُرفع الصلوات إلى الربّ كي يمنح السلام كي يفيض بسلامه ونعمه على الجميع.