تأمّل غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد التاسع والعشرون من الزمن العادي – ب

تجدون في التالي تأمّل غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للّاتين، في الأحد التاسع والعشرون من الزمن العادي – ب، الأحد 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2024.

مَرقُس ١٠: ٣٥ 

يَصعَدُ يَسوعُ إلى القُدسِ مع تلاميذِهِ الخائِفِينَ مِمَّا قد يُواجِهُونَهُ في المَدينَةِ المُقَدَّسَةِ. يُطْلِعُهُم يَسوعُ، في الواقِعِ، على ما يَنتَظِرُهُ: المَجدُ، الَّذي سَيَتَجَلَّى عِندَما يُرفَعُ على الصَّليبِ. لِلمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، يُعلِنُ يَسوعُ مَصِيرَهُ: الآلامُ، المَوتُ، والقِيامَةُ، وهي اللَّحظَةُ التي سَيُسلِّمُ فيها نَفسَهُ تَمامًا لِطاعَةِ الآبِ، باذِلًا نَفسَهُ.

في هذا السِّياقِ الدِّراميِّ، يَروي الإنجيليُّ مَرقُسُ أنَّ الأخوَينِ يَعقوبَ ويُوحَنَّا اقترَبَا من يَسوعَ ليسأَلاهُ سُؤالًا غريبًا بَعضَ الشَّيءِ. سُؤالًا يُعكَسُ فيهِ الأدوارُ، ويُطلَبُ من يَسوعَ أن يُطِيعَ إرادَتَهُما: "يا مُعَلِّمُ، نُريدُ أن تَصنَعَ لَنا ما نَسألُكَ" (مَرقُس ١٠: ٣٥).

طَلَبُهُما كانَ الحُصولَ على أماكِنَ مُمَيَّزَةٍ، حيثُ يَتمُّ الاعترافُ لَهُما بشَرَفٍ يُمَيِّزُهُما عن الآخَرِينَ: إنَّهُما لا يَطلُبَانِ فقط أن يَكونا في المَجدِ مع يَسوعَ، بَل أن يَكونا في أماكِنَ خاصَّةٍ، أن يَجلِسا عن يَمينِهِ وعن شِمالِهِ، كَمَن يَحتَلُّ المكانَ الأفضلَ: "اِمنَحنا أن يَجلِسَ أحدُنا عن يَمينِكَ، والآخَرُ عن شِمالِكَ في مَجدِكَ" (مَرقُس ١٠: ٣٧).

يُدرِكُ التلميذانِ أنَّ يَسوعَ على وَشكِ الدُّخولِ إلى القُدسِ، وأنَّهُ هُناكَ سَيَظهَرُ مَجدُهُ أخيرًا، ويَسعَيَانِ لِضَمانِ حِصَّةٍ من هذهِ الشُّهرَةِ والسُّلْطَةِ. يَفكِّرُ التلاميذُ في قُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ ويُريدونَ الحُصولَ على جُزءٍ كَبيرٍ منها، بينما يَتَحَدَّثُ يَسوعُ عنِ الصَّليبِ.

إجابةُ يَسوعَ تَكشِفُ لَهُم أنَّ الدَّعوَةَ التي دُعِينَا إليها أعظَمُ من أيِّ شَرَفٍ بَشَرِيٍّ يُمكِنُ أن نَحصُلَ عليهِ في الحَياةِ. لِذلكَ، يُجيبُهُم يَسوعُ بأنَّهُم لا يَعرِفُونَ ما يَطلُبونَ: "إنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تَسألانِ" (مَرقُس ١٠: ٣٨). ليسَ لأنَّهُم مُخطِئُونَ في طَلَبِ أعظَمِ ما في الحَياةِ والمَجدِ، بَل لأنَّهُم مَخدوعُونَ في تَحديدِ ماهِيَّةِ المَجدِ الحَقيقيِّ.

تَمُرُّ إجابةُ يَسوعَ بِثَلاثِ مراحِلَ:

المرحلةُ الأولى: يُحوِّلُ يَسوعُ الانتباهَ إلى الأساسِ، إلى ماهِيَّةِ المَجدِ الحَقيقيِّ: "أَتَستَطيعانِ أن تَشرَبا الكَأسَ التي سأَشرَبُها، أو تَقبَلا المَعمودِيَّةَ التي سَأقبَلُها؟" (مَرقُس ١٠: ٣٨). الكَأسُ والمَعمودِيَّةُ هُما استِعارَتانِ لآلامِ ومَوتِ يَسوعَ. المَجدُ الحَقيقيُّ، إذًا، هو كَمالُ الحَياةِ المُعطاةِ بالمَجانِ، والتي تُبذَلُ لِتَمنَحَ الحَياةَ للجميعِ. الأمرُ لا يَتَعلَّقُ بِشَغلِ الأماكنِ، بَل بِتَقديمِ المَكانِ، بِتَقديمِ الحَياةِ.

كُلُّ إنسانٍ لَهُ قِيمَةٌ بِسَبَبِ قُدرَتِهِ على الحُبِّ، والحَياةُ تُقَدِّمُ الفُرَصَ لإثباتِ ذلكَ: في القُدسِ، سَتُقَدِّمُ الحَياةُ لِيَسوعَ كَأسًا لِلشُّربِ ومَعمودِيَّةً لِيُعَمَّدَ فيها. سَتُقَدِّمُ أحداثًا يَستَطيعُ فيها يَسوعُ أن يَختارَ المَجدَ، أي يُحِبُّ باستِمرارٍ، حَتَّى في خِضمِّ مُعاناةٍ بَشَرِيَّةٍ غَيرِ عادِلَةٍ.

هذا الاختيارُ، القُبولُ بِمَنطِقِ العَطاءِ والمَحَبَّةِ، هو ما يَبني الحَياةَ، هو ما يَجعَلُنا بَشَرًا. إذا تَخَلَّينا عن ذلكَ، يَبقى شَيءٌ مِنَّا غَيرَ مُكتَمِلٍ، ويَبقى خَارِجَ المَجدِ.

يُحاوِلُ التلاميذُ، كما لو كانوا يُريدونَ تَبريرَ أنفُسِهِم، القَولَ بأنَّهُم قادِرُونَ على العَيشِ بِهذهِ الطَّريقَةِ، على شُربِ هذهِ الكَأسِ، وعلى أن يُعَمَّدُوا في هذهِ المَعمودِيَّةِ: "فقالا له: نَستَطيعُ" (مَرقُس ١٠: ٣٩)…

هذا التأمّل نُشر على موقع بطريركيّة القدس للّاتين، لقراءة المزيد إضغط هنا.

Previous
Previous

طِلبات من القدّاس الغريغوري (٥)… "مساعدة للأرامل" سلسلة جديدة من عظات قداسة البابا تواضروس الثاني في اجتماع الأربعاء

Next
Next

وصول غبطة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي إلى المعهد الحبري الماروني في روما