تأمّل غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا في الأحد الثاني من الزمن العادي، السنة أ
تجدون في التّالي تأمّل غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا في الأحد الثاني من الزمن العادي، السنة أ، يوم الأحد 18 كانون الثاني/ يناير 2026.
(يو 1: 29–34)
لقد قادنا زمنُ الميلاد إلى الاحتفالِ والتأمّلِ باللّهِ الآتي إلينا.
تجسد كلمةُ اللّه في فقرنا، دخل في تاريخنا، وأخذ زمام المبادرة ليكون معنا وعلى هيأتنا.
لكنّ اللّه لا يأتي فقط في عيد الميلاد، ولا يقتصر مجيئه على لحظة التجسّد وحدها.
بل على العكس! تجسد الكلمة يفتتح للبشرية زمنًا جديدًا، زمنًا يأتي فيه اللّه ويستمر في المجيء.
ولهذا، ليس من قبيل الصدفة أن نجد، بين أوّل الكلمات الواردة في إنجيل هذا الأحد الأوّل بعد عيد معمودية الرب (يو 1: 29–34) ، فعل «يأتي» (يو 1: 29): إذ يرى يوحنا المعمدان يسوع آتيًا نحوه.
يكشف لنا الفعل «آتي» هويّة اللّه: فاللّه هو الذي يأتي.
في البدء، قبل أي شيء، هناك حركةُ اللّه نحونا، مجيئه إلينا.
ليس لدينا إلهٌ يبقى بعيدًا، ولا إلهٌ ينتظر أن نذهب نحن إليه.
وإذا كان اللّه يقترب، يصبح لقاؤه ممكنًا، وهذا ما حدث ليوحنا المعمدان: فعندما اقترب منه يسوع، تعرّف عليه، ومن ثمّ قبله.
وإذا كان «المجيء» هو فعلُ اللّه، فإنّ «الرؤية» هي فعلُ الإنسان، فعلُ البشرية: يوحنا يرى يسوع الآتي إليه.
وكلا الفعلين أساسيّان وضروريّان لكي يتمّ اللقاء.
فإن لم يأتِ اللّه، لا يستطيع الإنسان، من تلقاء نفسه أن يفعل شيئ.
ولكن إن جاء اللّه ولم يتعرّف عليه الإنسان، ولم يره، يصبح مجيء اللّه نفسه بلا ثمر، بلا لقاء.
لذلك يمكن للّه أن يأتي عبثًا، إن لم يستقبله الإنسان.
ولكن، ماذا يعني أن نرى اللّه؟ وكيف رأى يوحنا الربّ الآتي؟
في الواقع، لم يرَ المعمدانُ أمرًا غيرَ اعتياديٍّ: رأى إنسانًا كسائر الناس، قادمًا نحوه كما كان يفعل كثيرون في ذلك الزمن.
غير أنّ الإنجيلي يوحنا يخبرنا بأنّ المعمدان، رغم أنّه رأى مجرّد إنسان، قد رأى أبعد من ذلك بكثير، ورأى أمرًا آخر أعمق.
لقد رأى حملَ اللّه الذي يرفع خطيئةَ العالم (يو 1: 29).
ورأى من أتى بعده، لكنّه في الحقيقة كان قبله، أي كان منذ الأزل (يو 1: 30).
ورأى من يحلّ عليه الروح ويستقر عليه، ذاك الذي سيعمّد بالروح القدس (يو 1: 33).
فكيف استطاع يوحنا المعمدان أن يرى كلّ هذا؟
إنّه سؤال منطقي، بالأخص لأنّ المعمدان نفسه يؤكّد مرّتين، في بضعة آيات، أنّه قبل ذلك اللقاء لم يكن يعرف يسوع (يو 1: 31 و33).
يوحنا يستطيع أن يرى ويميز يسوع لأنه يعيش منغمسًا في الكلمة: يرى لأنه استمع أولاً.
هناك دليلان يقوداننا إلى هذا الاستنتاج.
الأولى أن كلماته مشبعة بالكتاب المقدّس: فنجد فيها حملَ الفصح من الفصل الثاني عشر من سفر الخروج، ونجد صدىً لحكمة الفصل الثامن من سفر الأمثال، كما نجد العديد من الوعود النبوية التي تحدّثت عن الروح الذي ينزل ويستقر.
لم يرَ يوحنا أكثر من غيره لأنّه يمتلك موهبةً خاصّة، بل لأنّ الكتب المقدّسة التي في داخله اشتعلت وأضاءت نظره عندما رأى يسوع آتيًا.
لكنّ إستماع يوحنا لا يقتصر على الكتب المقدّسة وحدها...
هذا التأمّل قد نُشر على موقع البطريركيّة اللّاتينيّة في القدس، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.