تأمّل غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا للأحد الثالث من الزمن العادي، السنة أ

English

تجدون في التّالي تأمّل غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للّاتين، للأحد الثالث من الزمن العادي أ، يوم الأحد 25 كانون الثاني/ يناير 2026.

(متّى 4: 12–23)

يفتتح كل إنجيلي زمنَ رسالة يسوع العلنية عبر ما يمكن تسميته «عتبة سردية»، أو مفتاح تأويلي، يساعد القارئ على طرح  السؤال الجوهري الذي يشكّل محور النصّ بأسره: من هو يسوع؟ ما غاية مجيئه؟ وعن ماذا يتحدّث هذا الحدث الذي يبدأ الآن؟ 

وهكذا من خلال حادثة يسوع في مجمع الناصرة (لو 4: 16-30)، يوحي لنا لوقا أن يسوع هو النبيّ الممسوح بالروح، المُرسل ليحمل بشارة الخلاص إلى الفقراء والمهمَّشين. وسيُرفَض، تمامًا كما حدث في الناصرة، لكن هذا الرفض لن يوقف مسيرته. 

أمّا مرقس، هو الأكثر إيجازًا بينهم جميعًا: «تمّ الزمان واقترب ملكوت اللّه، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل» (مر 1:15). إنّه إعلان  عن تحقيق مخطط اللّه للبشرية التي تتطلّب استجابة عاجلة من الإنسان كي يغيّر اتجاه حياته ويفتح قلبه للإيمان. 

وكذلك، يقدّم يوحنّا بطريقته الخاصة إعلانًا رؤيويًا لعمل الرب، في سردٍ يبدأ بشهادة المعمدان ويبلغ ذروته في عرس قانا (يو 1: 19–2: 11). إنّه سردٌ لخلقٍ جديد، لا يتمّ دفعة واحدة، بل عبر ولادة جماعةٍ صغيرةٍ جديدة من المؤمنين، مجتمعة حول العريس الواحد، المسيح، الذي يكشف في النهاية أنّ خمر الفرح الحقيقي كان محفوظًا إلى الآن.

يُظهر لنا مقطع اليوم (متّى 4: 12–23) مفتاح القراءة الذي كتب به الإنجيلي متّى إنجيله. 

يولي متّى أهمية كبيرة للمكان الذي بدأت فيه رسالة يسوع، إذ يقول إنّ يسوع ترك الناصرة وسكن في كفرناحوم (متّى 4:13). ولا يكتفي متّى بذلك، بل يضيف تفاصيل أخرى كلّها مرتبطة بالمكان الذي تجري فيه الأحداث: فكفرناحوم تقع على شاطئ البحر، وهي في تخوم زبولون ونفتالي. 

هذا الإصرار على تحديد الجغرافيا ليس تفصيلاً سرديًا عابرًا، بل مدخل مقصود لاقتباس نبويّ محوري.من النبي إشعيا (إش 8: 23 – 9: 1)، الذي يتحدّث تحديدًا عن هذا الإقليم بعينه. 

ينتمي هذا النص إلى ما يُعرف بـ«كتاب عمّانوئيل» (إش 7–12)، وهو مجموعة من النبوءات وُلدت في فترة زمنية صعبة، في زمن حرب واضطراب. يومها كانت أشور، القوة المهيمنة، تتقدّم جنوبًا، وكانت مناطق زبولون ونفتالي أوّل من ذاق مرارة الغزو والسبي، وأوّل من عرف ظلمة الاحتلال. 

إنّها إذًا أرض مجروحة ومُعذَّبة. ولكن ليس هذا فحسب. فالإقليم الذي يتوقّف متّى عند وصفه يتميّز أيضًا بميزتين أخريين: إنّه جليل الأمم، أرض حدودية، أرض هامشية، يتعايش فيها شعبٌ مختلط من شعوبٍ مختلفة ، وبالتالي تُعَدّ «نجسة» بحسب منطق التديّن التقليد. وهي، في الوقت عينه، أرضُ عبور، تقع «على طريق البحر»، أي موضع حركة وانتقال، ومن ثمّ فضاء مُنفتح ومُرحب. 

وهناك بالضبط اختار يسوع أن يسكن. فهو النور عينه، الذي سبق إشعيا وتنبّأ به، نورٌ يشرق في المكان الذي بلغ فيه التاريخ أقصى درجات الظلمة. فالنور لا يتجنّب المناطق المظلمة بل يدخلها، ويجعل منها موضع تحوّل…

هذا التأمّل قد نُشر على موقع البطريركيّة اللّاتينيّة في القدس، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.

Previous
Previous

عظة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في أحد تذكار الكهنة

Next
Next

عظة غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا في عيد اهتداء القديس بولس الرسول في نيقوسيا