مقال لقداسة البابا تواضروس الثاني في مجلة الكرازة : غريب أنا في الأرض

قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة

من النادر أن يعيش الناس بلا غربة.. والغربة هي التنقل من مكان ميلادك إلى أماكن أخرى.. قد تكون غربة قصيرة أو طويلة أو ممتدة أو دائمة.. وقد تكون طواعية أو إجبارية أو بحثًا عن مكان أفضل أو دراسة أفضل أو عمل أفضل أو منصب أفضل.. 

ونقرأ عن الغربة في الكتاب المقدس وكيف تغرب كثير من الأنبياء وارتحلوا من مكان إلى آخر مثل إبراهيم أبو الآباء، كما نقرأ عن العائلة المقدسة التي تغربت في أرض مصر أكثر من ثلاث سنوات. 

ومن الناحية الروحية يعتبر كل البشر غرباء على الأرض حتى أن داود النبي يقول: “غريب أنا في الأرض لا تخف عني وصاياك” (مز 119: 19) وللمتنيح البابا شنوده الثالث قصيدة بعنوان “غريبًا عشت” يصف فيها الغربة سواء تاريخيًا أو رهبانيًا.. والغربة شعور إنساني قوي يعمل في مراحل حياته سواء علميًا أو دراسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، كما أنه قد يصل بإنسان أن يتغرب في بيته عندما يجد أهل هذا البيت ينفضون عنه بانشغالات كثيرة لا تنتهي.. ومن المدهش أن العالم اخترع وسائل الاتصال الاجتماعي منذ حوالي ثلاثين عامًا وها هو يكتشف الآن أنها صارت وسائل للانفصال الاجتماعي والعزلة في البيت الواحد أو المجتمع الواحد وكيف يتأثر الصغار والكبار ويدخلون في عالم افتراضي فيه كثير من الانحرافات الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية وغيرها. 

وعلى الجانب الآخر فإن كانت غربة إيجابية وفي ظروف مواتية، فإن الإنسان يستطيع أن يستفيد منها بفضائل الاجتهاد والاعتماد على النفس وتعلم مهارات جديدة مثل اللغات وكسب صداقات عدیدة ربما لا تتاح له إن ظل في مكانه، ولذا قال العرب قديمًا “في السفر سبع فوائد”، وقال المورخ كمال الملاخ “ما أمتع السفر على صفحات كتاب”. 

وهناك بعض الأماكن يشعر فيها الإنسان بغربة حتى وإن ظل في مجتمعه أو في وطنه. من هذه الأماكن “الفنــدق”. عندمـــا يذهب الإنسان إلى الفندق تحت أي سبب سواء لحضور مؤتمر أو لقاء أو معرض أو ندوة أو حتى فسحة وسياحة فإنه يشعر بغربة سواء كانت إقامته يومًا أو عدة أيام أو حتى أسابيع فإنه يجد أناس حوله لا يعرفهم يقومون بواجبات الضيافة والإقامة وتسهيل كل شيء.. والمكان يكون في أبهى صورة وكل العاملين مدربين على اللطف والود وأناقة الحديث والابتسامة، وكلهم يحاولون أن يرضوا الإنسان ويشبعوا رغباته مهما تعددت أو كثرت.. ولكنهم يفعلون ذلك كوظيفة تدر لهم دخلاً وربحًا وفائضًا فالهدف اقتصادي بحت. هم لا يعرفونك وأنت غريب في وسطهم يتطلعون إلى ما ستدفعه وما يربحونه منك.. ولذلك تتبارى الفنادق في تقديم أشكال وألوان من الخدمات التي تجذب الناس بعروض مغرية دائمًا.. لكنك ستظل غريبًا متناسيًا أن راحتك الحقيقية هي في بيتك وسط أسرتك…

هذا المقال نُشر على موقع الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.

Previous
Previous

مستشفيات لبنان تتبارك بذخيرة القدّيس إغناطيوس مالويان

Next
Next

ذخيرة من الكنيسة التي أسّس فيها القديس فرنسيس رهبنته تصل إلى جنوب الجزيرة العربية