رسالة قداسة البابا لاوُن الرابع عشر لمناسبة اليوم العالمي الثالث والستين للصلاة من أجل الدعوات

رسالة قداسة البابا لاوُن الرابع عشر لمناسبة اليوم العالمي الثالث والستين للصلاة من أجل الدعوات (ANSA)

"كل دعوة هي عطيّة عظيمة للكنيسة ولمن يقبلها بفرح" هذا ما كتبه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في رسالته لمناسبة اليوم العالمي للصلاة من أجل الدعوات 2026.

لمناسبة اليوم العالمي الثالث والستين للصلاة من أجل الدعوات الذي يُحتفل به يوم الأحد الرابع من زمن الفصح المصادف في 26 نيسان/ أبريل 2026، وجّه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر رسالة تحت عنوان "الاكتشاف الداخلي لعطيّة اللّه" كتب فيها إذ يقودنا ويرشدنا يسوع القائم من بين الأموات، نحتفل في الأحد الرابع من زمن الفصح، المعروف بـ "أحد الراعي الصالح"، باليوم العالمي الثالث والستين للصلاة من أجل الدعوات. إنها مناسبة نعمة لكي نتشارك بعض التأملات حول البعد الداخلي للدعوة، كاكتشاف لعطيّة اللّه المجانية التي تزهر في عمق قلب كل واحد منا. لنسلك معاً إذًا درب الحياة الجميلة، التي يشير إليها الراعي!

تابع الأب الأقدس يقول: "في إنجيل يوحنا، يصف يسوع نفسه حرفياً بأنه "الراعي الصالح" (ὁ ποιμὴν ὁ καλός). يشير هذا التعبير إلى الراعي الكامل، الأصيل، والنموذجي، لكونه مستعداً لبذل حياته من أجل خرافه، مظهراً بذلك محبة اللّه. إنه الراعي الذي يأسر القلوب: فمن ينظر إليه يكتشف أن الحياة جميلة حقاً إذا ما اتبعناه. ولكي نعرف هذا الجمال، لا تكفي عيون الجسد أو المعايير الجمالية، بل نحتاج إلى التأمل والحياة الداخلية. وحده الشخص الذي يتوقف، ويصغي، ويصلي، ويقبل نظرته، يمكنه أن يقول بثقة: "أنا أثق، فمعه يمكن للحياة أن تكون جميلة حقاً، وأريد أن أسلك درب هذا الجمال". والأمر الأكثر روعة هو أننا عندما نصبح تلاميذًا له، نصبح بدورنا "جميلين": لأنَّ جماله يغير صورتنا. وكما كتب اللاهوتي بافل فلورنسكي، إن الزُهد لا يصنع إنساناً "صالحاً" فحسب، بل يصنع إنساناً "جميلاً". إن السمة التي تميز القديسين في الواقع، بالإضافة إلى الصلاح، هي الجمال الروحي المنير الذي يشع من الذين يعيشون في المسيح. وهكذا تتجلى الدعوة المسيحية بكل عمقها: المشاركة في حياة المسيح، والمساهمة في رسالته، والإشراق بجماله".

أضاف البابا لاوُن الرابع عشر يقول: "هذا التواصل الداخلي للحياة والإيمان والمعنى كان أيضاً خبرة القديس أوغسطينوس، الذي بينما كان يعترف في الكتاب الثالث من "الاعترافات" بخطاياه وأخطاء شبابه، قال إن اللّه "هو أقرب إليّ من ذاتي". فإلى جانب وعيه بذاته، اكتشف جمال النور الإلهي الذي يرشده في الظلام. لقد تنبّه أوغسطينوس لحضور اللّه في أعمق جزء من نفسه، وهذا يعني أنه فهم وعاش أهمية العناية بالحياة الداخلية كفسحة للعلاقة مع يسوع، وكدرب لاختبار جمال وصلاح اللّه في حياته الخاصة. وهذه العلاقة تُبنى في الصلاة والصمت، وإذا ما تمَّ الاعتناء بها، فهي تفتحنا على إمكانية قبول وعيش عطيّة الدعوة، التي ليست أبداً فرضاً أو مخططاً مسبقاً يجب الالتزام به فحسب، بل هي مشروع حب وسعادة. وبالتالي فالاعتناء بالحياة الداخلية هي النقطة التي ينبغي الانطلاق منها مجدداً في راعوية الدعوات وفي الالتزام المتجدد بالبشارة. وبهذه الروح، أدعو الجميع - عائلات، ورعايا، وجماعات رهبانية، وأساقفة، وكهنة، وشمامسة، وأساتذة التعليم المسيحي، ومربين، ومؤمنين علمانيين - للالتزام أكثر فأكثر في خلق بيئات ملائمة لكي يتمَّ قبول هذه العطية وتغذيتها والحفاظ عليها ومرافقتها لكي تعطي ثماراً وفيرة. فقط إذا كانت بيئاتنا تشع بإيمان حي، وصلاة مستمرة، ومرافقة أخوية، فإن دعوة اللّه ستزهر وتنضج، لكي تصبح دربًا للسعادة والخلاص لكل فرد وللعالم. وإذ نسير على الدرب الذي يشير إليه يسوع، الراعي الجميل، لنتعلم كيف نعرف أنفسنا بشكل أفضل ونعرف عن كثب اللّه الذي دعانا".

تابع الأب الأقدس يقول: "إنَّ رب الحياة يعرفنا وينير قلوبنا بنظرة الحب خاصته". كل دعوة في الواقع لا يمكنها إلا أن تبدأ من الوعي والخبرة بأن اللّه هو محبة: هو يعرفنا بعمق، وقد أحصى شعر رؤوسنا، ورسم لكل واحد طريقاً فريداً للقداسة والخدمة. لكن على هذه المعرفة أن تكون متبادلة دائماً: نحن مدعوون لكي نتعرّف على اللّه من خلال الصلاة، والإصغاء للكلمة، والاسرار، وحياة الكنيسة، وبذل الذات للإخوة والأخوات. مثل الشاب صموئيل، الذي سمع في الليل، وربما بشكل غير متوقع، صوت الرب وتعلَّم أن يميِّزه بمساعدة عالي، علينا نحن أيضاً أن نخلق فسحات من الصمت الداخلي لكي نفهم ما يريده الرب من أجل سعادتنا. لا يتعلق الأمر بمعرفة عقلية مجردة أو معرفة أكاديمية، بل بلقاء شخصي يغير الحياة. إنَّ اللّه يسكن في قلوبنا، والدعوة هي حوار حميم معه، هو الذي يدعونا – على الرغم من ضجيج العالم الذي يصم الآذان أحيانًا – ويدعونا لكي نجيب بفرح حقيقي وسخاء. "لا تخرج إلى الخارج، بل عد إلى نفسك، لأنَّ الحقيقة تسكن في الإنسان الداخلي" يذكرنا القديس أوغسطينوس مرة أخرى بمدى أهمية أن نتعلم أن نتوقف، ونبني فسحات من الصمت الداخلي لكي نتمكن من سماع صوت يسوع المسيح. أيها الشباب الأعزاء، أصغوا إلى هذا الصوت! أصغوا إلى صوت الرب الذي يدعوكم لكي تعيشوا حياة كاملة ومحققة، مستثمرين مواهبكم ومسمّرين محدودياتكم وضعفكم على صليب المسيح المجيد. توقفوا، إذاً، في السجود للقربان الأقدس، وتأملوا بانتظام في كلمة اللّه لكي تعيشوها كل يوم، وشاركوا بنشاط وبشكل كامل في الحياة الأسرارية والكنسية. بهذه الطريقة ستعرفون الرب، وفي حميمية الصداقة، ستكتشفون كيف تبذلون ذواتكم، سواء في درب الزواج، أو الكهنوت، أو الشماسية الدائمة، أو في الحياة المكرسة، الرهبانية أو العلمانية: كل دعوة هي عطيّة عظيمة للكنيسة ولمن يقبلها بفرح. إنَّ معرفة الرب تعني أولاً تعلم الثقة به وبعنايته، التي تفيض في كل دعوة".

أضاف البابا لاوُن الرابع عشر يقول: "من المعرفة تولد الثقة، موقف ينبع من الإيمان، وضروري سواء لقبول الدعوة أو للثبات فيها. إنَّ الحياة في الواقع تتجلى كعملية مستمرة من الثقة بالرب الاتكال عليه، حتى عندما تقلب خططُه خططَنا رأساً على عقب. لنفكر في القديس يوسف، الذي رغم سر أمومة العذراء غير المتوقع، وثق في الحلم الإلهي واستقبل مريم والطفل بقلب طائع. يوسف النجار هو أيقونة الثقة المطلقة في تدبير اللّه: فهو يثق حتى عندما يبدو كل شيء حوله مظلماً وسلبياً، وعندما يبدو أنَّ الأمور تسير في اتجاه معاكس لما كان متوقعاً. هو يثق ويسلم نفسه، واثقًا من صلاح الرب وأمانته. "في كل ظرف من ظروف حياته، عرف يوسف كيف يقول "نعم"، كما فعلت مريم في البشارة ويسوع في الجتسماني". وكما علّمنا يوبيل الرجاء، علينا أن ننمِّي ثقة راسخة وثابتة في وعود اللّه، بدون أن نستسلم أبداً لليأس، وأن نتغلَّب على المخاوف والشكوك، واثقين بأن القائم من بين الأموات هو رب تاريخ العالم وتاريخنا الشخصي: فهو لا يتركنا في أحلك الساعات، بل يأتي ليبدد بنوره جميع ظلماتنا. وبفضل نور وقوة روحه، وحتى من خلال التجارب والأزمات، يمكننا أن نرى دعوتنا تنضج، لكي تعكس أكثر فأكثر جمال ذاك الذي دعانا، جمال مُكوَّن من الأمانة والثقة، على الرغم من الجراح والسقطات"…

هذا التقرير قد نُشر على موقع فاتيكان نيوز، لقراءة النصّ كاملًا إضغط هنا.

Previous
Previous

قداسة البابا تواضروس الثاني يعلن عن توقف اجتماع الأربعاء خلال فترة الخمسين المقدسة ويهنئ بمرور 40 عامًا على ظهور العذراء في كنيسة بابا دوبلو

Next
Next

قداسة البابا تواضروس الثاني يختتم سلسلة "قوانين كتابية روحية" (٦)... "إيمانك" في اجتماع الأربعاء