قداسة البابا لاوُن الرابع عشر: الكنيسة واقع إنساني وإلهي في آنٍ واحد والمسيح يسكن فيها رغم ضعف أعضائها

أبونا:

في مقابلته العامة مع المؤمنين، تحدث قداسة البابا لاون الرابع عشر، يوم الأربعاء، عن الدستور العقائدي "نور الأمم" وموضوعه الكنيسة، وذلك في إطار تعليمه حول وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني. ووصف الدستور الكنيسة بأنها ذات بعدين متناغمين: إنساني وإلهي. فالكنيسة، من جهة، جماعة من بشر يعيشون إيمانهم ويبشرون بالإنجيل، وتظهر بهيكلياتها المنظورة وتنظيمها كمؤسسة. ومن جهة أخرى، هي سر إلهي وُلد من مشروع محبة اللّه للبشرية الذي تحقق في المسيح.

هذان البعدان لا يتعارضان ولا ينفصلان، بل يتكاملان بتناغم في شخص يسوع نفسه، حيث تكشف إنسانيته المنظورة حضور اللّه غير المنظور. وبالرغم من ضعف أعضاء الكنيسة، يظل المسيح ساكنًا فيها ويعمل من خلالها، فتستمد قداستها منه. ومن هنا تأتي الدعوة إلى بنائها بالمحبة والوحدة والشركة، لأن المحبة هي التي تظهر حضور الرب وتمنح الكنيسة معناها الحقيقي.

وفي ما نص التعليم:

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأهلًا وسهلًا بكم!

نواصل اليوم تعمّقنا في الدستور المجمعيّ، "نور الأمم"، أي الدستور العقائديّ في الكنيسة.

في الفصل الأوّل، حيث يهدف قبل كلّ شيء إلى أن يجيب عن السّؤال: ما هي الكنيسة؟ فهي تُوصَف بأنّها "واقع واحد ومتعدّد أو معقّد" (رقم 8). والآن نتساءل: فيمَ يكمن هذا التّعقيد؟ قد يجيب أحدٌ بأنّ الكنيسة "واقع معقّد"، ولهذا يصعب شرحها. وقد يظنّ آخر أنّها معقّدة لأنّها مؤسّسة تحمل في طيّاتها ألفَي سنة من التّاريخ، ولها مِيزات تختلف عن أيّة مجموعة اجتماعيّة أو دينيّة أخرى.

غير أنّ كلمة "مركّبة أو معقّدة" في اللغة اللاتينيّة تشير بالأحرى إلى اتّحاد منظَّم لجوانب أو أبعاد مختلفة داخل واقع واحد. لهذا، يستطيع الدّستور "نور الأمم" أن يؤكّد أنّ الكنيسة كيان متماسك، يعيش فيه البُعد الإنسانيّ والبُعد الإلهيّ معًا، بدون انفصال وبدون خلط.

البعد الأوّل يمكن إدراكه مباشرة، لأنّ الكنيسة هي جماعة من الرّجال والنّساء يتشاركون الفرح والمشقّة النّاجمة عن كونهم مسيحيّين، بما لهم من فضائل ونقائص، ويبشّرون بالإنجيل وهم علامة لحضور المسيح الذي يرافقنا في مسيرة حياتنا. ومع ذلك، فإنّ هذا البعد، الذي يظهر أيضًا في التّنظيم المؤسّسيّ، لا يكفي لوصف طبيعة الكنيسة الحقيقيّة، لأنّ لها أيضًا بُعدًا إلهيًّا. وهذا البعد لا يقوم بكمالٍ مثاليّ أو باستعلاء روحيّ في أعضائها، بل في كون الكنيسة قد وُلِدت من مشروع محبّة اللّه للبشريّة الذي تحقّق في المسيح. لذلك، فالكنيسة هي في الوقت نفسه جماعة أرضيّة وجسد المسيح السّرّي، وجماعة منظورة وسرّ روحيّ مقدّس، وواقع حاضر في التّاريخ وشعب حاجّ يسير نحو السّماء (نور الأمم، 8؛ التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، 771).

البُعدان الإنسانيّ والإلهيّ يتكاملان بتناغم، بدون أن يطغى أحدهما على الآخر. هكذا تعيش الكنيسة في هذا التّناقض: فهي واقع إنسانيّ وإلهيّ معًا، يستقبل الإنسان الخاطئ ويقوده إلى اللّه.

ولتوضيح هذه الحالة الكنسيّة، يُشير الدّستور "نور الأمم" إلى حياة المسيح. في الواقع، كلّ الذين التقوا مع يسوع على طرق فلسطين اختبروا إنسانيّته، ونظراته، ولمساته، وصوته. ومَن قرّر أن يتبعه كان متأثّرًا جدًّا بنظرته المرحّبة به، ولمسات يديه المبارِكتين، وكلامه الذي يحرّر ويشفي. وفي الوقت نفسه، فتح التّلاميذ أنفسهم على اللقاء مع اللّه، بسَيرهم وراء يسوع الإنسان. في الواقع، جسد المسيح، ووجهه، وأعماله، وكلامه، يُبَيِّن بطريقة منظورة الإله غير المنظور…

هذا التعليم قد نُشر على موقع أبونا: إعلام من أجل الإنسان، لقراءة النصّ كاملًاإضغط هنا.

Previous
Previous

اللجنة اللاهوتية الدولية: مستقبل البشرية يكمن في العلاقات، لا في التكنولوجيا

Next
Next

صلاة للقديس فرنسيس الأسيزي، الشفيع الدائم للسلام، في ظلّ الظروف الصعبة الّتي يشهدها الشرق الأوسط