كلمة الأسقف د. ذمسكينوس الأزرعي

أسقف مريوط، والوكيل البطريركي للروم الأرثوذكس في الإسكندرية، وعضو اللّجنة التنفيذيّة لمجلس كنائس الشرق الأوسط

في يوم الصلاة من أجل الوحدة – 31 كانون الثاني/ يناير 2026

دير مار جرجس البطريركي للروم الأرثوذكس – مصر القديمة

English

أصحاب السيادة والنيافة المطارنة والأساقفة،

قدس الآباء والقساوسة الأجلاء،

ممثلي جميع رؤساء الكنائس الأعضاء في مجلس كنائس مصر،

سعادة الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط د. ميشيل عبس، الكلي الوقار،

قدس الأمين العام لمجلس كنائس مصر القس يشوع بخيت، الكلي الورع،

الإخوة والأخوات جميعًا، مع حفظ الألقاب،

أبدأ كلمتي مرحِّبًا بكم جميعًا بمحبة وفرح، بالنيابة عن غبطة بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر أفريقيا ثيوذوروس الثاني، وبالأصالة عن نفسي، في هذا اللقاء المبارك الذي يجمعنا في يوم الصلاة من أجل الوحدة، في هذا المكان المقدّس، دير مار جرجس البطريركي العامر للروم الأرثوذكس في مصر القديمة.

ويسعدني، باسم غبطته وباسمكم جميعًا، أن أرحّب ترحيبًا خاصًا بالضيف الكبير، سعادة الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط، البروفيسور ميشيل عبس. نرحّب به في بلده الثاني، مصر المباركة، أرض الكنانة، ونرحّب به في كنف هذا الدير البطريركي العريق، كما أرحّب به باسم رئيس هذا الدير، نيافة المتروبوليت سابا، الجزيل الاحترام. ونشكره شكرًا صادقًا على جهوده المتواصلة والمميّزة في نشر قيم المحبة الحقيقية، والعمل الجاد من أجل الوحدة المسيحية المنشودة، وعلى سعيه الدائم لتوسيع مجالات التعاون بين الكنائس، لكي تقوم برسالتها في إعلان إنجيل الخلاص وخدمة الإنسان.

سعادة البروفيسور، كان لي الشرف العظيم أن أشارك في ديسمبر الماضي في أعمال اللجنة التنفيذية لمجلس كنائس الشرق الأوسط التي عُقدت في بيروت، وكان لنا شرف لقاء فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية وعدد من أصحاب القداسة والغبطة. وأشهد أمامكم أن قطعة من قلبي بقيت هناك، في تلك البلاد العزيزة التي حضرتم منها، تلك البلاد الصامدة التي، رغم ما ذاقته في الفترة الماضية من صعوبات وأحزان ودموع، وضيق وقلق وخوف، بقيت ثابتة في الرجاء. كونوا واثقين أن صلاتنا وفكرنا وقلوبنا كانت وستبقى معكم دائمًا، لأن الرب هو الرجاء وسط كل ضيق.

وقبل أن أبدأ كلمتي الروحية، أرجو منكم أن تنقلوا محبة غبطة البابا والبطريرك ثيوذوروس الثاني إلى جميع أصحاب الغبطة والقداسة رؤساء الكنائس الأعضاء في مجلس كنائس الشرق الأوسط. كما اسمحوا لي أن أتوجه بشكر خاص إلى الإعلامية المتألقة ليا معماري، على جهودها الإعلامية الكبيرة والمميّزة في خدمة المجلس ورسالة الكنائس.

أيها الحضور الكريم، بمناسبة احتفال العالم المسيحي العام الماضي بمرور 1700 عام على انعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية، كرّس غبطة البابا والبطريرك ثيوذوروس الثاني العام الماضي لإكرام القديس أثناسيوس الكبير، بصفته أحد أبرز الشخصيات في هذا المجمع، وحارس الإيمان الرسولي. فالقديس أثناسيوس الكبير، معلّم المسكونة، والقديس العظيم، والراعي الحقيقي لكنيسة المسيح، وبوق الكنيسة ورادع البدع بقوة الروح القدس.

وإلى جانب الاحتفالات الكبيرة التي قامت بها الكنائس في مصر، شارك أبينا غبطة البابا والبطريرك ثيوذوروس الثاني في الاحتفال التاريخي والمهيب الذي أُقيم في مدينة نيقية، حيث انعقد المجمع المسكوني الأول، وذلك في نوفمبر الماضي، بدعوة وتنظيم من البطريركية المسكونية، ممثَّلة بصاحب القداسة رئيس أساقفة القسطنطينية والبطريرك المسكوني برثلماوس الأول، وبحضور قداسة بابا روما لاون الرابع عشر، وعدد كبير من رؤساء الكنائس وممثليهم من أنحاء العالم كافة.

إنه لأمر مؤثّر للغاية أن نرى هذا العدد الكبير من الكنائس يستجيب بإيجابية لدعوة البطريركية المسكونية لإحياء ذكرى وإرث المجمع المسكوني الأول، الذي انعقد قبل سبعة عشر قرنًا. فبالرغم من القرون التي مرّت، والتحوّلات والصعوبات والانقسامات التي شهدتها الكنيسة، اجتمعوا في تلك الذكرى المقدسة بخشوع مشترك وروح واحدة من الرجاء، لا لاستذكار الماضي فحسب، بل لتقديم شهادة حيّة للإيمان نفسه الذي عبّر عنه آباء نيقية.

في نيقية، شهد التاريخ على الأبدية، حين أُعلن أن ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح هو إله حق من إله حق، مساوٍ للآب في الجوهر (ὁμοούσιος τῷ Πατρί). وقد خُلّد هذا الإعلان في دستور الإيمان النيقاوي، الذي يختصر إيمان الرسل ويقدّمه حيًا لكل الأجيال.

أيها الإخوة والأخوات الأحباء في المسيح، إن اسم نيقية مشتق من الكلمة اليونانية التي تعني النصر (νίκη). لقد اختار الروح القدس هذه المدينة بحكمة ليمنح الكنيسة نصرًا سماويًا وروحيًا. فالإيمان الرسولي الذي أُعلن في نيقية هو انتصارنا الدائم، ودستور الإيمان النيقاوي هو بذرة كياننا المسيحي ورمز وحدتنا. وبما أن حرارة إيمان نيقية ما زالت تتّقد في قلوبنا، فلنحبّ بعضنا بعضًا لكي «بفم واحد وقلب واحد نعترف: الآب والابن والروح القدس، الثالوث المتساوي في الجوهر وغير المنقسم».

أيها الأحباء، في إطار الجهود الدولية لتعزيز السلام والحوار بين الشعوب، شارك أيضًا غبطة بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر أفريقيا ثيوذوروس الثاني في الاحتفال الدولي من أجل السلام الذي أُقيم في ساحة الكولوسيوم التاريخية في روما، خلال الفترة من 26 إلى 28 أكتوبر الماضي، بدعوة من جماعة سانت إيجيديو. وقد حضر غبطته بصفته ضيفًا رسميًا لهذا الحدث العالمي، الذي شهد مشاركة آلاف الأشخاص، وحضورًا رفيع المستوى من قادة دينيين وشخصيات دولية بارزة، في مقدّمهم قداسة بابا روما لاون الرابع عشر وفضيلة الشيخ الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إلى جانب عدد كبير من رؤساء الكنائس وقادة دينيين من مختلف الديانات والثقافات، وشخصيات سياسية وثقافية وأكاديمية من أنحاء العالم.

وخلال الاحتفال الختامي في الكولوسيوم، ألقى غبطته كلمة روحية استند فيها إلى كلمات السيد المسيح: «سلامًا أترك لكم، سلامي أُعطيكم… لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع»، مؤكدًا أن السلام الحقيقي هو عطية إلهية، وداعيًا إلى حفظ كلمة الله والعمل بها حتى في أزمنة التجربة، لأن الإنسان لا يكون وحده حين يضع ثقته بالله. وشدّد غبطته على أن العالم اليوم يمرّ بمرحلة دقيقة، تُستعمل فيها الكلمات كوسائل هدم، وتُهدَّد فيها قرون من العيش المشترك، إلا أن المسيحيين مدعوون لأن يكونوا عائلة واحدة تحمي الحياة، وتفتح طرقًا جديدة للحوار، وتتحلّى بالشجاعة في الصلاة والعمل والمحبة، وأن تكون صانعة سلام في عالم مجروح. كما نقل غبطته أيضًا رسالة العيش المشترك التي نعيشها في مصر أمام هذا المنبر العالمي وفي هذا الحدث التاريخي.

وفي 9 أكتوبر الماضي، وفي حدث كنسي ذي دلالة روحية وتاريخية عميقة، قام غبطة بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر أفريقيا بتكريم قداسة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية للأقباط الأرثوذكس تواضروس الثاني، وذلك خلال احتفال رسمي أُقيم في مدينة الإسكندرية، بمناسبة مرور 1700 عام على انعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية. وقد منح غبطته لقداسته أعلى وأرفع وسام كنسي تمنحه بطريركية الإسكندرية، تعبيرًا عن الاحترام المتبادل والمحبة الأخوية بين الكنيستين في الإسكندرية، وتقديرًا لدوره الروحي والراعوي. وفي لفتة رمزية تؤكّد عمق الروابط التاريخية والروحية بين الكنيستين، واستمرارية الشهادة المسيحية المشتركة. وهنا اسمحوا لي أن نرفع صلاتنا من أجل صحة قداسة البابا تواضروس الثاني، متمنّين له أعوامًا عديدة وسلامية في خدمة الكنيسة.

وفي هذا السياق، أودّ أن أُشير إلى خبرة حيّة عشتها مؤخرًا، تؤكد أن الحوار ليس ترفًا فكريًا بل ضرورة روحية وإنسانية. فقد كان لي الشرف أن ألتقي سموّ الأمير الحسن بن طلال، رئيس مجلس أمناء المعهد الملكي للدراسات الدينية في الأردن، بحضور الدكتورة تغريد عودة، مديرة المعهد. وخلال هذا اللقاء الغني، جرى نقاش معمّق حول تاريخ الأديان في المشرق، وأهمية تعزيز الحوار المسيحي–المسيحي، وبناء الجسور بين المشرق والغرب المسيحي، إلى جانب التأكيد على ضرورة استمرار الحوار المسيحي–الإسلامي، بوصفه ضمانة أساسية للحفاظ على روح المحبة والسلام في مجتمعاتنا.

كما شدّد سموّ الأمير على أهمية الانفتاح الواعي على قضايا الشباب، ومخاطبتهم بلغة قريبة إلى عقولهم وقلوبهم، بعيدًا عن أي تعصّب عقائدي، وعلى نحو يفتح أمامهم آفاق الفهم والمشاركة والمسؤولية. ولم يغب عن الحوار التطرّق إلى مناقشة قضايا التكنولوجيا الحديثة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وقد جرى هذا الحوار مع سموّ الأمير الحسن في جوّ من المحبة والألفة والثراء المعرفي، بما يعكس أن اللقاء الصادق بين العقول والقلوب قادر على أن يكون بذرة رجاء في عالمٍ أحوج ما يكون إلى الفهم المتبادل والسلام.

وبصفتي عضو اللجنة التنفيذية في مجلس كنائس الشرق الأوسط، والأمين العام المشارك في مجلس كنائس مصر، أخبرت سموّه عن أهداف ونشاطات المجالس ودورها الفاعل في الحوار.

أيها الأحباء، في هذه الأمسية المباركة، وبعدما صلّينا بحرارة من أجل الوحدة، ومن أجل سلام العالم، وإنهاء الحروب، وكل انتهاك لحقوق الإنسان، أنقل إليكم من جديد محبة وصلوات غبطة البابا والبطريرك ثيوذوروس الثاني، الموجود هذه الأيام بين أبنائه الروحيين في أفريقيا.

ونرفع صلاتنا من أجل مصر العظيمة، الأرض التي احتضنت العائلة المقدسة، ومن أجل قيادتها وجيشها وشعبها، ليحفظهم الله، ويمنحهم القوة والعزم والثبات، من أجل خدمة أرض الكنانة المباركة ورفعتها.

آمين.

Previous
Previous

كلمة الأسقف أشود مناتسكانيان مطران الأرمن الأرثوذكس في جمهورية مصر العربية وسائر أفريقيا

Next
Next

فيديو - موعظة المسيح على الجبل 9