الأم دولّي شعيا، الرئيسة العامة لرهبانيّة الراهبات اللّبنانيّات المارونيّات، في خلوة روحيّة لفريق الأمانة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط:

الجرح الذي يتحوّل إلى رجاء وقيامة

خلال لقاء روحي وفكري عميق مع فريق الأمانة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط يوم الأربعاء 17 حزيران/ يونيو 2026، في دير مار يوسف – جربتا، ضريح القدّيسة رفقا، قدّمت الأم دولّي شعيا، الرئيسة العامة لرهبانيّة الراهبات اللّبنانيّات المارونيّات، حديثًا بعنوان "نهج القداسة في شرقٍ مجروح".

تطرّقت فيه الأم دولّي إلى معنى القداسة في الواقع المعيش، منطلقة من سيرة القديسة رفقا ومن جراح الشرق المعاصر، لتؤكد أن القداسة ليست فكرة بعيدة عن الحياة، ولا صورة مثالية نعلّقها في الذاكرة، بل هي نهج يومي يعيشه الإنسان في قلب الوجع، وفي مواجهة الخوف، وفي البحث الدائم عن الرجاء.

جاء هذا الحديث في زمن يشعر فيه كثيرون في هذا الشرق بفقدان الأمان، وبثقل الخوف، وبمرارة الهجرة والتهجير والانتماء الجريح. غير أن الأم دولّي شعيا دعت إلى ألا يُقرأ هذا الواقع بمنطق الانكسار فقط، بل بمنطق الإيمان الذي يرى أن الجرح، متى لامس سرّ المسيح القائم، لا يبقى علامة موت، بل يمكن أن يتحول إلى شهادة حب ورجاء.

 

الشرق الجريح والجرح غير المنظور

توقفت الأم دولّي شعيا عند واقع الشرق الذي يحمل جراحاً كثيرة. فهناك جراح ظاهرة نراها في الأبنية المهدمة، والبيوت المهجّرة، والقرى التي فقدت أبناءها، والجماعات التي تعيش قلق البقاء والمصير. لكن هناك أيضاً جراحاً أخرى غير منظورة، تسكن الذاكرة والمشاعر والعلاقات.

فالجرح لا يكون دائماً جغرافياً أو مادياً. قد يكون خوفاً مقيماً في النفس، أو ذاكرة أليمة، أو شعوراً بالخذلان، أو إحساساً بأن الإنسان فقد مكانه وأمانه. ومن هنا شددت على أن مجتمعاتنا الشرقية لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى مسارات شفاء داخلية تعيد ترميم الإنسان في عمقه.

فالشرق، رغم جراحه، لا يزال يحمل غنى روحياً وإنسانياً وتقاليد عميقة. غير أن هذا الغنى يحتاج إلى أن يتحول إلى قوة شفاء، لا إلى ذاكرة منغلقة على الألم.

 

رفقا: الجرح الذي لم يؤذِ الآخرين

من سيرة القديسة رفقا، استخرجت الأم دولّي شعيا معنى خاصاً للقداسة. فالقديسة رفقا عاشت ألماً كبيراً، لكنها لم تسمح لهذا الألم بأن يتحول إلى قساوة أو غضب أو أذية للآخرين. حملت جرحها، لكنها لم تجعل منه سبباً للمرارة أو الانتقام.

وهنا تكمن الرسالة الأساسية: ليس الجرح وحده ما يحدد الإنسان، بل الطريقة التي يعيش بها هذا الجرح. فالإنسان قد يسمح لألمه بأن يحوله إلى جدار يفصله عن الآخرين، وقد يجعله باباً للرحمة والمحبة.

لذلك، فإن القداسة لا تعني أن يكون الإنسان بلا ألم، بل أن يعرف كيف يحمل ألمه بنور اللّه. فالقديس ليس من لا يُجرح، بل من لا يسمح لجرحه بأن يقتل المحبة في قلبه.

 

توما وجراح المسيح

استحضرت الأم دولّي شعيا لقاء توما الرسول بالمسيح القائم من بين الأموات. توما أراد أن يضع يده في الجراح، والمسيح لم يخفِ جراحه، بل أظهرها. غير أن هذه الجراح، بعد القيامة، لم تعد علامات هزيمة، بل صارت علامات انتصار الحب.

فالقيامة لم تمحُ الجراح، لكنها غيّرت معناها. الجرح بقي موجوداً، لكنه لم يعد مركز الألم، بل صار شاهداً على محبة انتصرت على الموت.

ومن هنا، تصبح الاسئلة المطروحة على كل مؤمن: ماذا أفعل بجرحي؟ هل أحوله إلى لائحة اتهام ضد الآخرين؟ أم أقدمه للمسيح كي يتحول إلى رسالة سلام؟

فالمسيح، عندما دخل إلى العلية، لم يدن تلاميذه الذين تركوه، بل قال لهم: «السلام لكم». لم يحوّل جراحه إلى غضب، بل إلى سلام. وهذه هي المدرسة التي تدعونا إليها القداسة.

 

ذاكرة فصحية لا ذاكرة جرح فقط

أكدت الأم دولّي شعيا أن الذاكرة المسيحية ليست متحفاً للألم، بل هي ذاكرة فصحية. إنها ذاكرة تعرف الصليب، لكنها لا تتوقف عنده؛ تعرف القبر، لكنها تؤمن أن القبر ليس النهاية؛ تعرف الجرح، لكنها تعيش من نور القيامة.

وفي واقعنا الشرقي، كثيراً ما نعطي زمناً طويلاً للحزن والخوف، ولا نعطي القيامة المكانة التي تستحقها في حياتنا اليومية. لكن الإيمان المسيحي يقوم على أن القيامة هي الحدث الأهم، لأنها تعطي معنى جديداً لكل ألم.

فالشرق اليوم لا يحتاج إلى ذاكرة تزيد الانقسام، بل إلى ذاكرة نقية، قادرة على تحويل الألم إلى رجاء، والجراح إلى مسؤولية، والخوف إلى محبة.

 

القداسة نهج لا صورة

شددت الأم دولّي شعيا على أن القداسة ليست صورة مثالية نعلّقها ثم ننساها، بل هي نهج مستمر. الصورة قد تبقى بعيدة عن الحياة، أما النهج فيدخل في التفاصيل اليومية: في طريقة الكلام، في ممارسة السلطة، في العلاقة مع الآخر، في الصدق أمام اللّه، وفي القدرة على المحبة رغم الجرح.

فالقديسة رفقا ليست مجرد مثال جميل من الماضي، بل طريق من طرق الاقتداء بالمسيح. والمثال الأسمى يبقى هو المسيح نفسه، الذي كشف أن الإنسان مدعو إلى أن يعكس صورة اللّه في حياته.

القداسة، بهذا المعنى، ليست الهروب من الإنسانية، بل عيش الإنسانية بعمق. فالإنسان يفرح ويحزن، يتألم ويضعف، لكنه يستطيع أن يجعل من ضعفه مكاناً لعمل النعمة.

 

الصدق أمام اللّه والذات

رأت الأم دولّي شعيا أن بداية القداسة تكون عندما يقف الإنسان أمام اللّه دون قناع. فالإنسان يحتاج إلى أن يتصالح مع ذاته، وأن يعترف بضعفه وجرحه وحاجته إلى النعمة.

لا يستطيع الإنسان أن يشفى وحده. إنه يحتاج إلى اللّه، وإلى الجماعة، وإلى الإصغاء، وإلى من يساعده على قراءة جرحه بطريقة جديدة.

ومن هنا، فالقداسة لا تبدأ من الكمال، بل من الصدق. تبدأ عندما يقول الإنسان لله: هذا أنا، بجرحي وضعفي وخوفي، فحوّل ما فيّ إلى حياة.

 

الحب يصنع المعجزات

توقفت الأم دولّي شعيا عند خبرة تربوية عاشتها، حين شعرت يوماً أن الطلاب لا يتجاوبون معها في الصف. لكنها اكتشفت لاحقاً أن كلمة واحدة قالتها بمحبة تركت أثراً عميقاً في أحد الطلاب، وساعدته في علاقة صعبة مع أخيه.

هذه الخبرة جعلتها تؤكد أن الإنسان لا يعرف دائماً ثمار الخير الذي يزرعه. قد نظن أن كلامنا لا يصل، وأن تعبنا لا يثمر، لكن النعمة تعمل بصمت.

لذلك لا يجوز أن نحكم سريعاً على الآخرين أو على نتائج ما نقوم به. فالحب يعمل في الخفاء، والكلمة الصادقة قد تفتح باباً لا نراه.

 

من الذات إلى الهبة

أشارت الأم دولّي شعيا إلى أن الحياة المسيحية تبلغ معناها عندما تتحول الذات إلى هبة. فالقداسة ليست انغلاقاً على النعمة، بل مشاركة لها. من يختبر محبة اللّه لا يستطيع أن يحتفظ بها لنفسه فقط، بل يصبح مدعواً إلى أن يشاركها مع الآخرين.

فالشرق يملك غنى روحياً كبيراً، لكنه يحتاج إلى أن يرى هذا الغنى في وجه الإنسان، في خدمة المتألم، في الإصغاء، في المصالحة، وفي القدرة على المحبة حتى النهاية.

 

السامري الصالح والشفاء

في محور الشفاء، توقفت الأم دولّي شعيا عند مثل السامري الصالح. فالسامري رأى ما لم يره الآخرون. لم يكتفِ بالمرور قرب الجريح، بل اقترب منه، وضمد جراحه، واعتنى به.

وهذا ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم: أشخاص يرون الإنسان المجروح ولا يتهربون منه. فالخدمة ليست خطاباً لاهوتياً ولا استعراضاً، بل فعل رحمة ملموس.

الشفاء يبدأ عندما نرى الآخر، ونصغي إليه، ونحمل معه شيئاً من وجعه.

 

الإنسان قبل المكان

حذرت الأم دولّي شعيا من خطر أن ننشغل بحماية الأماكن وننسى حماية الإنسان. فالأرض مهمة، والذاكرة مهمة، والحضور مهم، لكن الإنسان هو القيمة الكبرى. فإذا خسرنا الإنسان، لا يمكن استبداله.

لذلك يبقى مشروع التنشئة على السلام، والإصغاء، واحترام الكرامة الإنسانية، من أهم ما تحتاجه الكنائس والمجتمعات في الشرق.

فالرجاء لا يعني إنكار الواقع، بل القدرة على البقاء في الخير رغم قسوة الواقع.

 

أبناء القيامة في شرقٍ مجروح

في ختام الكلمة، دعت الأم دولّي شعيا إلى التفكير في نهج قداسة رفقا كدعوة إلى الحب والرجاء في شرق يحمل جراحه في الجسد والذاكرة والمشاعر.

فالروح القدس لا يزال ينفخ في الإنسان كل يوم، والرب اختار هذه الأرض لكي يتجسد فيها، وهذا يعني أن الشرق، رغم آلامه، لا يزال مدعواً إلى أن يكون مساحة حضور ورجاء.

إننا لا نحتاج إلى شرقٍ ينكر جراحه، بل إلى شرق يعرف كيف يقدّمها للمسيح. لا نحتاج إلى جراح تتحول إلى غضب وانتقام، بل إلى جراح تتحول إلى محبة وسلام.

فالقداسة هي أن نحب رغم الألم، وأن نثبت في الخير دون تبرير الشر، وأن نعيش كأبناء القيامة في عالم لا يزال يبحث عن النور.

Previous
Previous

لمناسبتي اليوبيل الـ25 لإعلان قداسة القدّيسة رفقا، وتطويب البطريرك الياس الحويك

Next
Next

غبطة البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان يترأّس أمسية لمناسبة عيد القدّيس إغناطيوس مالويان في جونية – لبنان